الأحد، 6 مارس، 2016

• نوادر العرب: قصة الربع قرش "القُبْع بالرُّبْع"

اشترك صديقان في تجارة عدة مرات، وربحا الكثير على مرّ الأيام، وعاشا في رغد وبحبوحة... وفي إحدى المرات عقدا صفقة تجارية مربحة، فاقتسما الأرباح، ولكن بقي لأحدهما على الآخر مبلغ "ربع قرش"، ووعده أن يعطيه الربع قرش في مرة قادمة.

ولكنه في جميع الأيام القادمة لم يكن يمتلك هذه القطعة النقدية المعدنية "الربع قرش"، بينما أصرّ التاجر الأول أن يطلب الربع قرش، وشاءت الظروف أن يتوقف التعامل في عملة "الربع قرش"، فعرض عليه التاجر الثاني أن يعطيه بدلاً من الربع قرش قرشًا كاملاً أو حتى خمسة قروش، لكنه أبى، وصار يزوره يوميًا ويقضي وقتًا طويلاً عنده وهو لا ينفك يطالبه بالربع قرش...
ضاق التاجر الثاني درعًا بالأول، وشعرت زوجته بالاختناق من زياراته المتكررة، فاتفق مع زوجته على خطة للتخلص منه، عندما يزورهم في المرة القادمة، سيدعونه لتناول السمك، وسيتظاهر الزوج أن حسكة علقت في حنجرته، وأنه اختنق ومات... وبذلك يتخلصون منه...
وهكذا كان، فقد نفذا الخطة، وتظاهر الزوج بالموت، وشاع خبر الوفاة، فتهافت الناس إلى بيت الفقيد، قال التاجر الأول: هذا حبيبي وأخي وصديقي، أن سأقوم بغسله، سخنوا لي الماء.
جاؤوه بماء ساخن فقال: هذا لا يكفي، سخّنوا الماء حتى الغليان، ثم أحضر ليفة خشنة أشبه ما يكون بـ"سيفة الألمنيوم" ودخل إلى غرفة الميت لغسله، صب عليه الماء الساخن وفركه بالليفة، فصاح التاجر الأول من الألم بأعلى صوته، فقال له الأول: هات الربع قرش، فلم يجاوب... ثم ما زال يغسله حتى كاد جلده أن يهترأ...
وكان أن شارفت الشمس على المغيب، واقترب وقت الدفن، فقال التاجر الأول: أنا لا أستطيع العيش بدونه، أريد أن أُدفن معه، ومن شدة إلحاحه، سمحوا له بذلك، وكانوا في تلك المنطقة يدفنون الأموات في مقبرة جماعية تسمى "خُشْخَاشَة".
وضعوا التابوت في الخشخاشة، ذهب الناس وبقي صديقه، جلس التاجر الأول قرب التابوت وهو يهمس لرفيقه: أريد الربع قرش، ويرد عليه: ارحمني... انا لا أمتلك... خذ ما شئت لكن دعني أتحرر من هذا المأزق... وبقيا في جدال حتى انتصف الليل حين سمعا هرجًا ومرجًا يقترب منهما... إنهم عصابة لصوص مع زعيمهم قد سطوا على خزنة الملك وسرقوها وجاءوا يقتسمونها في الخشخاشة، فما كان من التاجر الأول إلا أن اختبأ في زاوية بعيدة بين أكوام العظام المتراكمة منذ مئات السنين.
قسّم زعيم اللصوص الذهب والمجوهرات بين أفراد العصابة، وبقي سيف الملك المصنوع من الذهب الخالص، وتنافسوا فيمن يأخذه، فأشار الزعيم أنّ من يستطيع أن يقطع الجثة الجديدة بضربة واحدة يكون السيف من نصيبة.
تبرّع أقواهم، رجل طويل القامة قوي البنية مفتول العضلات، استل السيف من غمده، وقف فوق التابوت بثبات، رفع السيف عاليًا وأراد أن يهوي به على الجثة بكل قوته، لكان الرجل داخل التابوت نظر من أحد الشقوق، فرأى السيف يلمع وسط الظلام، فصاح بأعلى صوته: أيها الميتون القدامى! أنقذوا الميت الجديد! إنّ اللصوص قد هجموا علينا!... فما كان من رفيقه إلا أن بدأ يُحَرِّك العظام من حوله بيديه ورجليه ويُحدث جَلَبَةً وضجيجًا ويصيح بصوت مصطنع: لقد جئناكم، لقد جئناكم، لا عليكم سنقتصّ منهم جميعًا، نحن قادمون، نحن قادمون...
ارتعب اللصوص، ورمى أقواهم السيف من يده، وتسابق أفراد العصابة على الهرب، وتزاحموا على الخروج من باب الخشخاشة الضيق، واحتموا في أحد ملاجئهم المجاورة.
خرج الرجل من التابوت، وجلس التاجران يتقاسمان خزنة الملك، لكن التاجر الأول طالب رفيقه بالربع قرش مجددًا، حاول أن يعطيه ما يشاء من الذهب بدل الربع قرش لكن دون جدوى...
لكن اللصوص بعد أن عادوا إلى صوابهم قال زعيمهم: أيُعقل أن نخاف نحن اللصوص الأشداء من الأموات ونهرب منهم... ثم انتدب أحدَ أفراد العصابة ليذهب ويستطلع الأمر.
اقترب اللص من جدار الخشخاشة، ومدّ رأسه من فتحة صغيرة في الحائط، فوجد نفسه قريبًا من التاجرين دون أن يلاحظاه، وسمع أحدهم يقول: أعطني الربع قرش، ويرد عليه الآخر: لن أعطيك... وفجأة لاحت التفاتة من التاجر الثاني نحو فتحة الحائط ورأى رأس اللص الذي كان يرتدي خوذة على شكل "قُبْع"، مدّ يده وأخذ الخوذة بيده وقال لزميله: "خُذْ هذا القُبْع بالربع"...
فلما سمع اللص ذلك ولّى هاربًا نحو أفراد العصابة وهو يصيح بأعلى صوته: أهربوا... أهربوا... لقد استفاق جميع الأموات، واقتسموا خزنة الملك، ومن كثرة عددهم، لم يبلغ نصيب الواحد منهم إلا ربع قرش...

 تابعونا على الفيس بوك
مواضيع تهم الطلاب والمربين والأهالي
قصص للأطفال وحكايات معبّرة

إقرأ أيضًا

للمزيد

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات


أيضًا وأيضًا

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها                                         




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق