الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

• عرائس العجين


«يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم»
تقولها أمي بعد تعالي أذان الفجر، فينقشع الظلام ويسري الضوء في عروق السماء رويدًا. ترش الماء في الأرجاء لتفر العفاريت الممددة على الأرض، كيلا تخطف أرغفة الخبز أثناء وضعها لتختمر تحت أشعة الشمس، ثم تطلق البخور لتتسلق الأدعية التي تتلوها خيط دخان البخور أثناء صعوده إلى السماء.

هذه طقوس يوم الخبيز، الذي اختارت له أمي ككل نساء البلدة يوم الأربعاء. في هذا اليوم، تتصاعد أدخنة الأفران من الأحواش في كل البيوت. تتفرغ النسوة للخبيز يوم الأربعاء، ليبقى صباح الخميس للطبخ، وإذا هلَّ يوم الجمعة لم يعد لهن عمل سوى الاستحمام والتزاور.
توقظ أمي زوجات إخوتي النائمات في الغرف المتفرقة بنداء ممطوط. تتركني وباقي أطفال العائلة نائمين لأنها كما تقول دومًا:
«الأفضل أن تظل الشياطين نائمة».
لا تأبه لتذمر أي من زوجات إخوتي كلما سحبها النداء من حلم وردي راودها، ولا من الاستمتاع بالدفء المنبعث من جسم زوجها الغارق في نومه جوارها. يتوافدن على الباحة، تحمل واحدة الغربال الناعم، وتحمل أخرى خُمر العجين الذي جهزته أمي الليلة السابقة، وقبل أن ينفضن نعاسهن يضعن كل ما يحتجنه كي لا يقمن ويجلسن كل دقيقة، ويبدأن العمل.
لا تعرف أي منهن أننا بمجرد انشغالهن يوقظ بعضنا البعض، ونختفي في الأركان البعيدة وتحت الدكك، لا يشي بوجودنا إلا عيوننا البراقة المكتحلة بالدهشة وسط الغُبْشَة، نرقب ما يفعلن بصبر لا غبار عليه، نراهن وهن ينخلن الطحين فوق الماجور، فتتساقط داخله طبقات، وأمي توجههن بإصبع واحدة، تسكب زوجة أخي الأكبر الخميرة بعد الانتهاء من نخل الدقيق، تقرفص زوجة الأصغر لتصب المياه ببطء، تحرك أمي يديها ليختلط كل شيء بدقة كبيرة، تبسمل وتحوقل بصوت خفيض كي تحل البركة على العجين، حتى يختلط تماما، فترفعه بيديها القويتين وتهبده في الماجور كي يتخلله الهواء، ثم تدقه بقبضتها ليخرج بعضًا من هذا الهواء مرة أخرى، ليبقى فقط ما يحتاجه العجين.
نتحرك من مكاننا بخفة إلى أماكن أقرب، كي لا يدركن وجودنا، نصبح على مرمى خطوات معدودات من الماجور، الذي تتركه أمي بعد انتهاء عملية العجن، ليخمر العجين جيدًا، وأثناء انشغالهن بتغطية مقارص «الجلة» بنخالة الدقيق الخشنة، نسير على أيدينا وأرجلنا كالقطط، ليقتطع كل منا من العجين المخبوء في ماجوره قطعة، يأخذ ابن أخي قطعة كبيرة من جنب العجين، وتعالج أختي الصغرى بطن العجين المنهوش بحفنة دقيق في غفلة من أمي. آخذ قطعتي مثلما فعلوا قبلي قبل انكشاف الأمر. عند الانتهاء من حصولنا على أنصبتنا، يبدأ كل منا في تشكيل رغيفه بالشكل الذي يريد.
لا ينكشف أمرنا، فالشمس كفيلة بتسوية العجين وتهذيب هيئته بأشعتها الساحرة، ننزوي بعيدًا، أثناء انشغال أمي والباقيات بتقطيع العجين إلى أقراص متساوية، ورصها كل واحد على مقرصة مرشوشة بالرَّدة، يشكل حسين قطعته على هيئة حصان، ويشكلها محمود على هيئة الكائن الخرافي الذي يسكن الظلمة، أما نجمة، ابنة أختي التي سبقتنا إلى المدرسة الإعدادية، فتشكل عجينتها على هيئة قلب، لكنني أشكل قطعتي دومًا على هيئة عروس جميلة، مفرودة الذراعين تستقبل الحياة. أبحث عن حبيبات عدس وقمح منسية في صومعة الغلال، لأشكل ملامح وجهها مبتسمًا بشوشًا، وما إن يروا عروستي كل مرة حتى يغيّروا ما شكلوه إلى عرائس كثيرة مختلفة الأحجام.
نخرج عليهن معترفين بما فعلنا، لأن أوان العقاب يكون قد فات، فأمي بعد الانتهاء من رص الأرغفة على الدكك، تهرول سريعا لتجهز الفرن. يعلو صوتها بالبسملة وهي تدخل تحت عريشة جريد النخل، التي تظلل مكان جلوسها أمام الفرن، تبسمل حتى تنبه الجني ساكن الفرن ليفر قبل أن يحترق، إذا دست الوقيد في مؤخرة الفرن وأشعلت النيران قبل تنبيهه، قد يصاب بأذى ويخطف أيا منا ويهرب به تحت الأرض، هكذا فعل مع الجيران.
أثناء إشعال أمي للفرن وتلقيمها بمصاص القصب الجاف، توزع زوجات إخوتي العمل بينهن، واحدة تُجَرّحُ الأرغفة بسلاة نخلة، تدور بها على محيط الرغيف بالكامل لتحزه، حتى ينهض إذا مسته سخونة النار، وتقوم الثانية بمسح طبلة الفرن من الغبار بالفودة المبللة في ماجور المياه قرب الفرن، أما الثالثة فتحضر أدوات الفرن من داخل البيت؛ «المطرحة» التي تضع أمي عليها كل رغيف ليأخذ مكانه في بطن الفرن، والبشكور، أو الجَرّار كما يقول الجيران، لتسحب به الأرغفة بعد الانتهاء، وتقوم بتنظفهما ووضعهما في المتناول. نخطط نحن في هذا الوقت للوصول إلى طريقة ندس بها عرائسنا العجين بين الأرغفة لتدخل إلى بطن الفرن مع باقي الأرغفة، لكن أمي تقطع علينا حيلنا الصغيرة بقولها: «هِموا.. وهاتوا خبيزكم!» نتبعثر في الأرجاء كعقد مسبحة انفرط نظمها، لنعود حاملين ما صنعناه.
تأخذهن الحكايات بمجرد إغلاق فم الفرن على الأرغفة. تتصاعد أدخنة أفران الجيران في هذه الأثناء هنا وهناك، لكن أمي تفخر دومًا بأن فرنها هو الأول الذي يطلق صفارة البدء كل أربعاء. حتى ينضج الخبز، تعرف أمي بنضوجه كما قالت: «من الرائحة الفَوّاحة». لا أعرف لماذا تسعد كلما بدأت في إخراج الأرغفة الحمراء الساخنة ولا سر انفراجة ملامحها أثناء رصه على «المقطف الخوص» الملون، كل ما أعرفه أننا نأخذ عرائسنا المنتفخة بالتخمر والخبز بعيدًا، نظل ندللها وننقلها من يد إلى يد حتى تنسحب سخونتها، وعندما يبدأ حسين في شقها من جانبها بالسكين، ورش لبابتها من الداخل بالسمن والسكر، نفعل مثله تمامًا، ونبدأ في القضم بسرعة وشهية.
تابعونا على الفيس بوك
إقرأ أيضًا






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق