مأساة
منذ اشترانا الرجل الطيب - أنا وأختي التوأم - لابنه الموهوب الصغير ونحن نتطلّع ليوم خروجنا بصحبته.
أيام طويلة عشناها من وقت ولادتنا بمصنع الأحذية الرياضية، إلى رحيلنا لذلك المحل المتخصص بوسط المدينة، وحتى جاء الوقت الذي طال انتظاره.
حين رأيته للمرة الأولى أحببت شقاوته؛ كان يتجول بنظره بين الأزواج المرصوصة خلف الزجاج... له شخصية مرحة، وملامح ذكية، وما أن شاهدني حتى تسمر في مكانه. لم أكن الأغلى سعرًا، لكن لي لونًا جذّابًا، وماركة موثوقًا بها... نادى على والده بشغف، وأشار ناحيتي بفرح، فمسح الأب على شعره الناعم، وأومأ له بالموافقة.
كنت القطعة الأخيرة في المحل من فصيلتي، وقد ظللت خلف واجهة العرض الزجاجية أحارب الملل بعد رحيل بقية زملائي. كم اشتقت للانطلاق من جلستي تلك، أنا التي صُنِعت خصيصًا للّعب... لذا فما أن لامست قدم الصغير جلدي وهو يقيسني حتى دبّت الروح بداخلي، وكَسَت البهجة رونقي. لم يفاصل الأب الطيب في ثمني، بل أخذ يحكي لمدير المكان عن موهبة ابنه في لعب الكرة... حملني الولد برفق، وانتقلنا إلى مسكنهم بالأرض المحتلة.
بِتُّ ليلتي الأولى في حضن الولد المسرور بامتلاكي، حكى لي عن حلمه في أن يصبح لاعبًا شهيرًا، وعن النادي الكبير الذي يتمنى أن يلتحق به.
عشتُ بعدها أيامًا من الإثارة والترقّب، منتظرًا خروجي بين لحظة وأخرى؛ كي أساعد صاحبي الموهوب على صنع الهجمات، وإحراز الأهداف.
سمعت من مكاني داخل دولابه الصغير أشياءً كثيرة: حديث عن استشهاد الأم منذ سنوات على يد العدو المحتل، حكايات الاعتزاز بالأرض، والأمل في التحرير والنصر، وأخيرًا تلك الانفجارات التي طالت كل شيء.
فجأة انقلبت الدنيا رأسًا على عقب؛ توالت القنابل، انهدم جزء من البيت، وتعالت الصرخات... غاب أصحابي فارين بأرواحهم، ودعوتُ من الله أن يُنَجِّيهم.
عَمَّ الدمار أرجاء المدينة، انتشرت رائحة الموت، وطغى اللون الأحمر على كل شيء... لم أعد أسمع سوى صوت الطلقات النارية، وزمّور سيارات الإسعاف... كما لم أعد أشم غير رائحة البارود، ودخان الحرائق.
أخيرًا ظهر الرجل الطيب المنكوب...
كان سليمًا، لكن وكأن عمره قد تضاعف خلال ساعات! سار بحذر بين الركام، وبدأ يفتش عن الأغراض الهامة ليأخذها معه إلى حيث ملجأه الجديد.
ها هو يلملم بعض حاجياته الضرورية، ويستعد للمغادرة... حبستُ أنفاسي وأنا أراه يمر من جواري، كِدتُ أقفز من مكاني ليراني، تمنيت لو سألته عن سلامة صديقي الصغير الذي لم يسعفنا الوقت للعب سويًا.
في لحظة خروج الأب من نصف البيت حنت منه التفاتة حيث مرقدي الحزين... وضع ما بيده جانبًا وتحرك ناحيتي، كان يُقدِّم خطوةً ويُؤَخِّر الأخرى... أقسم أني شاهدت دموعه تتساقط لتنافس تلك القنابل المنهمرة على الأرض المغتصبة.
أحنى قامته المثقلة بالهموم، ومَدَّ يده المجروحة تجاهي، نَفَضَ عني التراب، وحملني بشفقة محاولًا الابتسام.
كادت الفرحة تغمرني، والشوق للّعب يعتريني من جديد... لولا أنه أخذني أنا فقط، الفردة اليمنى، تاركًا الفردة اليسرى تسقط من يده... لتظلّ بمفردها وحيدة... حبيسة بين الركام!
بواسطة عمرو الرديني
فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789
منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54
قصة وحكمة: ماري انطوانيت من السّطوة إلى السقوط
قصة وحكمة: فوشيه: الوزير الذي أربك نابليون
قصة وحكمة: شيكو ليانغ انتصر بالحكمة لا بالسيف
قصة للأطفال: ديك في قاعة الامتحان
للمزيد
معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب
الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية
إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن
استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط
مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم
مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات
أيضاً وأيضاً
الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور
شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور
الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها
تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات
كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها
مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق