حليف الماضي
حين حاولت الشيوعية أن تجد لها موطئ قدم في الصين، لم تكن المشكلة في الأفكار وحدها، بل في الناس أنفسهم؛ في ذاكرتهم العميقة، وفي تاريخ عاش في وجدانهم قرونًا طويلة. هنا أدرك ماو تسي تونغ أن الطريق إلى المستقبل لا يُفتح بالقوة وحدها، بل بالماضي أيضًا.
في عام 1920 انضمّ ماو تسي تونغ، وهو شاب في مقتبل العمر، إلى الحزب الشيوعي الصيني. كان يعرف، أكثر من كثيرين حوله، أن فُرَص الشيوعية في حكم الصين ضعيفة للغاية. فالحزب كان فقيرًا في موارده، محدودًا في عدده، قليل الخبرة، يفتقر إلى السلاح والتنظيم. ولم يكن أمامه سوى أمل واحد: أن يقف الفلاحون إلى جانبه. لكن كيف يمكن لفلاحي الصين، وهم من أكثر شعوب الأرض تمسّكًا بتقاليدهم، أن يساندوا ثورةً لا تشبه ما عرفوه من قبل؟
كانت الكونفوشية آنذاك متجذّرة في المجتمع الصيني، بقوة لا تقل عمّا كانت عليه في القرن السادس قبل الميلاد، زمن كونفوشيوس نفسه. ورغم ما عاناه الناس من ظلم واضطهاد، فإنهم لم يكونوا مستعدين للتخلي عن قيمهم المستقرة لصالح أفكار غريبة لا يعرفون عنها شيئًا. فهم يتألّمون، نعم، لكنهم يخشون المجهول أكثر.
هنا وجد ماو حلّه البسيط والعبقري: بدل أن يصطدم بالماضي، قرّر أن يستدعيه. كان من أكثر الكتب قربًا إلى قلبه رواية صينية شهيرة هي حواف الماء، التي تحكي قصة أبطال خارجين عن القانون، يشبهون روبن هود، يثورون ضد فساد السادة والملوك وينصرون المظلومين. في زمن كانت الروابط العائلية وطاعة الأب والأخ الأكبر تمثل قمة القيم الاجتماعية، جاءت الرواية لتقدّم قيمة أعلى من رابطة الدم: الأخوّة القائمة على نبل القضية والعدل.
أثّرت هذه الرواية بعمق في وجدان الشعب الصيني، لأنها أيقظت فيهم حب نصرة المقهورين. استغلّ ماو هذا التأثير، وراح يردّد أن جيشه الثوري ليس سوى امتداد لأولئك الأبطال، وأنهم يقفون، مثلهم، إلى جانب الفلاحين في صراعهم الأزلي مع الحكام الظالمين. هكذا لبس التغيير ثوب الماضي، فشعر الناس بالطمأنينة، ووجدوا في الثورة صدى لما يعرفونه ويؤمنون به. واستجاب الفلاحون، لا للشيوعية بوصفها فكرة جديدة، بل بوصفها إحياءً لماضٍ مجيد.
حتى بعد أن وصل الحزب الشيوعي إلى الحكم، لم يتخلَّ ماو عن هذه الاستراتيجية. لم يقدّم نفسه للناس على أنه لينين الصين، بل صوّر ذاته باعتباره نسخة معاصرة من شيكو ليانغ، المخطّط العبقري الذي خلدته حكايات الممالك الثلاث. لم يكن ليانغ قائدًا عسكريًا فحسب، بل فيلسوفًا وشاعرًا ورجل دولة صاحب مبادئ نبيلة. ومن خلال هذا التشبيه، قدّم ماو نفسه كشاعر محارب، يمزج الاستراتيجية بالحكمة، ويصنع لعصره قِيَمًا تشبه تلك التي تغنّت بها الحكايات القديمة عن فرسان الدولة والأخلاق.
واصل ماو، في خطاباته وكتاباته، استحضار محطات من التاريخ الصيني. استدعى مثلًا سيرة الإمبراطور شين، الذي وحّد الصين في القرن الثالث قبل الميلاد، وأحرق كتب كونفوشيوس، وقوّى سور الصين العظيم. شبّه ماو نفسه به: فقد وحّد البلاد، وأنهى عصور الانقسام، وحارب الفساد، ولو بالقسوة. ورغم أن صورة شين في الذاكرة الشعبية كانت صورة طاغية قاسٍ، فإن براعة ماو أعادت إبراز إنجازاته، وجعلتها مبررًا لصرامة النظام الجديد.
بعد فشل الثورة الثقافية في أواخر الستينيات، اشتد الصراع على السلطة داخل الحزب. كان خصم ماو حينها صديقه السابق لين بياو. ولإظهار الفرق بينه وبين منافسه، عاد ماو مرة أخرى إلى الماضي. صوّر بياو بوصفه مناصرًا لأفكار كونفوشيوس، رمز المحافظة والتمسّك بالتقاليد، وهو وصفٌ لم يكن بعيدًا عن الواقع. في المقابل، اختار ماو أن ينتسب فكريًا إلى المدرسة القانونية القديمة، التي مثلتها كتابات هان فاي تسو، والتي كانت ترى أن الإصلاح لا يترسّخ إلا بالقوة، وأن السطوة أساس الحكم.
أطلق ماو حملة واسعة ضد كونفوشيوس، مستفيدًا من العداء التاريخي بين القانونيين والكونفوشيين. دفع الشباب إلى التمرّد على الجيل القديم، وحوّل الصراع السياسي العاري إلى ملحمة مستوحاة من بطولات التاريخ. وبذلك أشعل حماسة الجماهير، وحسم المواجهة لصالحه.
تعلّم ماو درسًا بالغ الأهمية: الماضي ليس عبئًا على الشعوب، بل قوة هائلة إن أُحسن استخدامها. فالناس يتشبثون بذكرياتهم لأن فيها الأمان والمعنى. وحين يُهدم ما ألفوه دفعة واحدة، يشعرون بالفراغ والخوف والضياع. لذلك لم يعد ماو، بعد فشل الثورة الثقافية، يحاول فرض التغيير عاريًا، بل ظل يكسوه دائمًا بعباءة الماضي.
الدرس بسيط وعميق في آن واحد: من أراد أن يصنع حاضرًا جديدًا، فليجعل الماضي حليفه لا عدوه. فاستدعاء التاريخ يمنح الأفعال ثِقلًا ومشروعية، ويجعل التغيير أقل قسوة، وأكثر قبولًا. وكما قال مكيافيللي قديمًا: لا شيء أصعب، ولا أخطر، ولا أكثر عرضة للفشل، من أن تفرض على الناس نظمًا وأعرافًا جديدة دفعة واحدة.
المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)
فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789
منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54
قصة وحكمة: ماري انطوانيت من السّطوة إلى السقوط
قصة وحكمة: فوشيه: الوزير الذي أربك نابليون
قصة وحكمة: شيكو ليانغ انتصر بالحكمة لا بالسيف
قصة للأطفال: ديك في قاعة الامتحان
للمزيد
معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب
الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية
إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن
استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط
مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم
مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات
أيضاً وأيضاً
الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور
شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور
الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها
تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات
كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها
مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق