التسرع في الإصلاح هلاك
في عام 1520 تقريبًا، قرر الملك هنري الثامن، ملك إنجلترا، أن يُطلِّق زوجته كاترين آراجون. لم يكن قراره نابعًا من سبب واحد، بل من سببين متداخلين: فقد فشلت كاترين في إنجاب وريث ذكر يضمن استمرار العرش، وفي الوقت نفسه كان قلب الملك قد تعلق بامرأة أصغر سنًا وأكثر جمالًا، هي آن بولين.
لكن الطريق إلى الطلاق لم يكن سهلًا. فقد رفض البابا كليمنت السابع هذا الطلب وهدَّد الملك بحرمانه من الغفران الكنسي. حتى الكاردينال توماس وولزي، المستشار الأقرب إلى هنري، نصحه بالتراجع، محذرًا من العواقب. هذا الرفض كلّف وولزي منصبه، ولم تمضِ فترة طويلة حتى خسر حياته أيضًا.
وسط هذا الرفض العام، ظهر رجل واحد فقط أيّد رغبة الملك وقدم له حلًا جريئًا وخطيرًا في آن واحد. كان هذا الرجل هو توماس كرومويل. أما فكرته فكانت قطيعة كاملة مع روما، وإنهاء سلطة الكنيسة الكاثوليكية على إنجلترا، وتأسيس كنيسة وطنية جديدة يكون الملك نفسه رأسها الأعلى. عندها يستطيع هنري أن يطلق زوجته ويتزوج آن بولين دون الحاجة إلى موافقة البابا.
في عام 1531 اقتنع هنري بأن هذا هو الحل الوحيد، وكافأ كرومويل، ابن الحداد البسيط، بتعيينه مستشارًا ملكيًا.
لم تمر سنوات قليلة حتى ازدادت قوة كرومويل بشكل هائل. ففي عام 1534 أصبح أمين سر الملك، وتحول إلى أقوى رجل في إنجلترا خلف الكواليس. غير أن طموحه لم يكن مجرد خدمة نزوة ملكية. كان يحلم بنظام بروتستانتي جديد، يحدّ من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية ويضع حدًا لثرواتها الهائلة. وفي العام نفسه أمر بمسح شامل لكل الكنائس والأديرة في البلاد، فاكتشف أن الأموال والكنوز المتراكمة لديها تفوق كل تصوُّر.
ولكي يبرر ما كان ينوي فعله، نشر كرومويل أخبارًا عن فساد الأديرة واستغلالها للناس وابتزازهم باسم الدين. وبعد أن حصل على دعم البرلمان، بدأ تنفيذ خطته بلا رحمة. استولى على ممتلكات الأديرة، ودمّرها واحدًا تلو الآخر، وفرض البروتستانتية بالقوة، وعدّل الطقوس الدينية، وعاقب كل من تمسك بالكاثوليكية واعتبرهم هراطقة خارجين عن القانون. في وقت قصير جدًا، وجدت إنجلترا نفسها وقد انتقلت إلى دين رسمي جديد.
سَرَت موجة من الخوف في أنحاء البلاد. بعض الناس شعروا بالارتياح لأنهم كانوا يعانون من تسلط الكنيسة الكاثوليكية، لكن الغالبية ارتبطوا بشدة بالطقوس التي عاشوا معها طوال حياتهم. شاهدوا الكنائس وهي تُهدم، وتماثيل العذراء والقديسين تُكسّر، والنوافذ الملونة تتحطم. اختفت الأديرة التي كانت ملجأً للفقراء، فامتلأت الطرقات بالمتسولين وتشرد الرهبان، ولم تلبث الإصلاحات أن فرضت ضرائب ثقيلة زادت من معاناة الناس وأثقلت حياتهم اليومية.
في عام 1535 انفجرت الثورات في شمال إنجلترا، وهددت بإسقاط الملك نفسه. وبعد عام من القتال، تمكن هنري من قمعها، لكنه أدرك أن إصلاحات كرومويل تجاوزت ما كان يتوقعه أو يرغب فيه. فالملك لم يكن يريد ثورة دينية شاملة، بل كان يريد طلاقًا وزواجًا جديدًا، لا أكثر. ومنذ تلك اللحظة بدأ ميزان الحظ يميل ضد كرومويل، الذي صار يخشى أن يتراجع الملك عن إصلاحاته ويعيد الطقوس الكاثوليكية التي حاربها بالقانون.
شعر كرومويل بأن مكانته تهتز، فحاول في عام 1540 استعادتها بطريقة يعرف أنها ترضي الملك. بعد وفاة زوجة هنري الثالثة، جين سيمور، سعى لإيجاد زوجة جديدة له. وقع اختياره على آن كليفس، أميرة ألمانية بروتستانتية. رسم الفنان هولباين لها لوحة جميلة جدًا أُعجب بها الملك، فوافق فورًا على الزواج، واطمأن كرومويل إلى أن حظوته قد عادت.
لكن الواقع كان قاسيًا. فالمرأة التي قابلها هنري لم تشبه اللوحة تقريبًا. شعر الملك بالاشمئزاز والغضب، واعتبر نفسه مخدوعًا. تراكَم هذا الغضب مع سخطه القديم على إصلاحات كرومويل القاسية. وفي يونيو من العام نفسه، أُلقي القبض على كرومويل بتهم الهرطقة والتطرف، وأُرسل إلى السجن، وبعد ستة أسابيع فقط قُطع رأسه أمام جمع غفير من الناس.
كانت خطة توماس كرومويل، في ظاهرها، بسيطة وسريعة: كسر نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، والاستيلاء على ثروتها، وبناء نظام ديني جديد يخدم الدولة والملك. لكنه أخطأ حين ظن أن التغيير العنيف يمكن أن يمر دون ثمن، وحين اعتقد أن الملك سيظل محتاجًا إليه إلى الأبد. لقد اصطدمت إصلاحاته بعقول الناس ومخاوفهم وعاداتهم، فارتدت عليه كما ترتد كرة تصطدم بجدار صلب.
تُعلِّمنا هذه القصة أن التغيير، حتى إن كان يحمل نوايا إصلاح، يُرهق البشر إذا فُرض عليهم بسرعة وقسوة. فالناس يتمسكون بما اعتادوه لأنه يمنحهم شعورًا بالأمان وسط عالم مليء بالمخاطر. ومن يريد أن يغير الواقع، لا يكفيه أن يملك الفكرة أو السلطة، بل عليه أن يفهم طبيعة البشر، وأن يقدّم الجديد كامتداد لما ألفوه، لا كصاعقة تهدم كل ما عرفوه في لحظة واحدة.
المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN
فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789
منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54
قصة وحكمة: ماري انطوانيت من السّطوة إلى السقوط
قصة وحكمة: فوشيه: الوزير الذي أربك نابليون
قصة وحكمة: شيكو ليانغ انتصر بالحكمة لا بالسيف
قصة للأطفال: ديك في قاعة الامتحان
للمزيد
معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب
الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية
إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن
استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط
مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم
مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات
أيضاً وأيضاً
الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور
شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور
الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها
تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات
كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها
مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق