الجمعة، 12 أبريل 2013

• معصرة الزيتون في البصّة عشية النكبة


   والدي الحاج "أبو اسماعيل" تجاوز الخامسة والثمانين من العمر، من سكان قرية البصّة الفلسطينية. قصدته، وسألته عن قريته، فقال والحسرة تمضغ فؤاده:

  تقع قرية البصّة في أقصى شمال فلسطين، على مقربة شديدة من الحدود اللبنانية، وهي تعلو عن سطح البحر حوالي خمسة وسبعين مترًا، وتبلغ مساحتها 130000 متر مربع أو تزيد قليلاً، وذلك في الفترة ما بين الانتداب وسنة 1948 م. أما مساحة الاراضي الزراعية فيها فتبلغ 30 كلم مربع، تستحوذ أشجار الزيتون على القسم الاكبر منها.
  وقد بلغ عدد سكان البصّة سنة 1948 م 4000 نسمة، موزعين بين مسيحيين ومسلمين (السنة و الشيعة). وأما المسلمون فكانوا موزعين بين فلاحين وبدو، بيد أن البدو كانوا بنسبة قليلة. هذا وكان السكان جميعا مثالاً للتعايش الطائفي. ولمّا كانت البصّة تشتهر أكثر ما تشتهر بالزيتون، أردت أن أعرف المزيد عن هذه الشجرة، فسألته: ماذا عن الزيتون؟ فأجاب والفخر يفيض من وجهه: أجل يا بني، إن هذه الشجرة المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، تأتي في طليعة الأشجار في البصّة. وللبصة شهرة فائقة في زراعة الزيتون، وهو دعامة أساسية في اقتصادياتها، وهو معيار الثروة فيها. والمثل الشعبي يقول: "الجناين جنون والملك زيتون". والزيتون في البصّة على أنواع مختلفة، وتعود بعض الأشجار إلى وقت طويل، ويسمي الأهلون الأشجار الكبيرة، بالزيتون الروماني للدلالة على قدمه، أي أنه زرع منذ عهد الرومان. وفي موسم جَنيه يتوافد إلى البصّة من جنوب لبنان ما لا يقل سنويًا عن 3000 شخص للعمل ما بين رجل وامرأة، وصغير وكبير، حيث يؤمن لهم المالكون المسكن والطعام، وأما أجورهم فتكون إما مالاً أو زيتًا.
   وهنا تدخلت وسألته: وكيف كنتم في ذلك الزمن تستخرجون الزيت من الزيتون؟ قال: كنا نحوّل القسم الأكبر من المحصول إلى زيت بواسطة المعاصر. قلت: وهل كانت هناك معاصر؟ قال: نعم، كان هناك عشر من المعاصر التقليدية. وهنا تدخلت وسألته بحشرية: هل تشرح لي يا والدي بالتفصيل عن كيفية بناء هذه المعاصر وطريقة عملها؟ فقال: تعتمد المعصرة على حجر ضخم يسمى حجر الدْراس أي درس الزيتون أو هرسه. وسألت: كيف يتم الحصول على هذا الحجر؟ فقال: كان صاحب المعصرة يبحث في الجبال والأودية عن صخرة كبيرة مكونة من حجر بركاني، أو من البلاط، وربما من الرخام، فيقوم مع رجاله ذوي الخبرة بتحويل هذه الصخرة إلى شكل دائري قطره حوالي متر وثلاثة أرباع المتر، أما سماكته فتقارب ثلاثة أرباع المتر. ثم يفتحون ثقبًا قطره متر في الوسط ، وبذلك يصبح دولابًا صخريًا يتم نقله بعونة من شباب النخوة وبعد معاناة أيام وليالي إلى القرية.
ثم سألته: وكيف يتم بناء المعصرة؟ فقال: كان صاحب الخبرة يبني مصطبة دائرية قطرها يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار، ترتفع عن الأرض المستوية من حولها نصف متر، وللمصطبة حافة عند حددودها بارتفاع ربع متر، ثم يقوم برصفها بحجارة صوانية ملساء - وهو ما يشبه البلاط في ايامنا هذه - وبعد ذلك ينصب في وسط المصطبة عامودًا خشبيبًا، ويجيء بدولاب المعصرة ويضعه فوق الأرض المرصوفة، ويدخل في وسطه عامودًا خشبيًا طويلاً يربط طرفه الأول في العامود المنتصب في الوسط، وأما طرفه الآخر فيربط إلى عنق الحصان أو الحمار أو الثور الواقف على الأرض المستوية خارج المصطبة، تمامًا كالنير حول عنق ثور الفلاحة.
  وكيف تتم عملية درْس الزيتون وهرسه؟ أجاب: كان عمال الزيتون من الرجال يقومون بتسلق الأشجار، واستخدام السلالم الخشبية لإسقاط حبات الزيتون إلى الأرض بقضبان طويلة، في حين تقوم النساء بجمع الحبات ووضعها في أكياس تمهيدًا لنقلها إلى بلدة البصّة. وكان الفلاح يموّن حاجته من الزيتون المكبوس، وأما القسم الباقي من المحصول، وهو الأكبر فيحوله إلى زيت بواسطة المعصرة. فعندما يحين دور أحد الفلاحين، كان يحمل أكياسه إلى المعصرة، فيقوم العامل هناك بإفراغ كمية مناسبة من الزيتون داخل المصطبة، وعندما يسير الحصان إلى الأمام كان يدفع النير المربوط إلى عنقه إلى الأمام، الذي يحرك بدوره دولاب المعصرة، ثم يقوم العامل هناك بتحريك الزيتون بقطعة خشبية تشبه الرفش نحو الدولاب ليتمكن من هرْسها، ويظل على هذا الحال حتى تتحول حبات الزيتون المهروسة إلى سائل لزج كثيف متماسك. وبعد ذلك تعبأ في سلال مصنوعة من ليف النخيل نظرًا لليونته ومرونته، وتحمل لتوضع في المكبس المجاور. وهنا سألته : وما هو المكبس؟ قال: هو عبارة عن أربعة أعمدة متجانسة من الخشب، مغروسة على زوايا مربع ضلعه يساوي قطر السلة. فتوضع خمس سلال فوق بعضها داخل الأعمدة الأربعة، ثم يتم ضغطها من الأعلى بواسطة مكبس يدوي، فيسيل الزيت ويجري في مزراب إلى بئر مجاورة، حيث يتم جمعه هناك، فيرسب العكر في القعر، ويطفو الزيت إلى أعلى.أما المتبقي من الزيتون بعد العصر "الجفت" فكان يصدر لخارج البلدة.
ولما سألته ماذا تفعلون بهذه الكميات الوفيرة من الزيت؟ اجاب: كان الواحد من الفلاحين يموّن حاجته من الزيت للعام المقبل في خوابي مصنوعة من الفخار، أما الفائض، وهو كبير جدًا كان يباع الى التجار وأصحاب الحاجة بمكيال يعرف بالكيلة وليس بالوزن كما هو معروف اليوم، فيعبأ في أكياس جلدية مصنوعة من جلد الماعز أو الغنم (الظرف) وتحمل على الجمال إلى بلاد المقصد. أما الزيت غير النقي فيحوّله الفلاح إلى صابون حيث يؤمن حاجته للايام القادمة.
وهل كنتم تبيعون الزيت لأهل البصّة؟ فرد بصوت حاد أبدًا فمن لا يملك من أهل البصّة  شيئًا من أشجار الزيتون كان يأخذ حاجته من جيرانه مجانًا أو لقاء مساعدته في القطاف، أما التجار من خارج البصّة فهم من يشترون الزيت ويبيعونه فيما بعد.
وهنا أدركت أن التعب قد حلّ بجسد والدي "أبي اسماعيل" وبذاكرته، فشكرته وانصرفت.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق