وهم
في مسيرة الحياة، كثيرًا ما يرسم الإنسان لنفسه غاياتٍ يتوق إليها بصدق، ويسعى إليها بجهدٍ لا يعرف الفتور، فيخوض في سبيلها دروبًا شاقة، ويجاهد نفسه بين أملٍ يشرق في صدره، وعناءٍ يثقل خطاه. وقد تكلّل المثابرة أحيانًا بالنجاح، فتزهر الأمنيات وتثمر المساعي، غير أنّ الطريق لا يكون دائمًا معبّدًا بالنهايات السعيدة؛ إذ قد تقف العوائق سدًّا منيعًا أمام الطموح، فيجد المرء نفسه ممزقًا بين قبول الواقع كما هو، أو الاحتماء بستار الكبرياء.
وفي مثل هذه اللحظات، تنكشف طبيعة النفس الإنسانية، ويتجلّى الصراع الخفي بين الصدق مع الذات، والرغبة في تجميل الهزيمة. وهذه الحكاية ليست إلا مرآةً لذلك الصراع، وتأمّلًا عميقًا في معنى الطموح، وقيمة الإصرار، وفضيلة الصراحة مع النفس عند ملاقاة النجاح أو مواجهة الإخفاق.
كان يومًا صيفيًّا طويلًا، تلفّه حرارة لافحة لا ترحم، وقد اعتلى قرصُ الشمس كبدَ السماء، متوهّجًا كجمرٍ مشتعل، لا يحجبه غيم ولا يلطّف حدّته نسيم. وانسكب ضياؤه القاسي على الحقول والأشجار ومسالك الغابة المغبرة، فبدا كل شيءٍ تحت وطأته واهنًا مستسلِمًا. كانت الأرض جافة متشققة في مواضع كثيرة، والهواء ساكنًا ثقيلًا، كأنّه يضغط على صدور الكائنات. حتى أوراق الأشجار بدت ساكنة شاحبة، وقد خفَتَت أصوات الطيور التي اعتادت أن تملأ الفضاء تغريدًا، فغدت الغابة في ذلك الهجير وكأنها غارقة في سباتٍ ثقيل، تنتظر بشوق انقضاء النهار.
وعلى أحد تلك المسالك الترابية، كان ثعلب يمضي بخطى بطيئة متثاقلة، لا تشبه خفّته المعهودة ولا رشاقته التي طالما تَميَّز بها. كان يمشي كمن أضناه البحث، وأثقلته ساعات الجوع الطويلة. وقد غطّى الغبار فراءه الذهبيّ البنيّ، فأفقده بريقه المعتاد، وتدلّت ذيله خلفه وكأنّه يحمل عبئًا خفيًّا. خرج لسانه قليلًا من شدّة العطش، وجفّ حلقه، إذ لم يذق طعامًا منذ الصباح، رغم تجواله المستمر.
وقف أخيرًا تحت ظل شجرة، وأطلق زفرة طويلة تنبض بالتعب والأسى، ثم تمتم بصوت خافت:
«يا له من يومٍ عسير! لقد سِرتُ ساعاتٍ طوال، ولم أجد شيئًا يؤكل؛ لا طريدةً ولا طائرًا، ولا حتى حفنة من التوت.»
وكأنّ بطنه استجاب لشكواه، فأصدر صوتًا خافتًا يعكس جوعه المتفاقم. خفَض رأسه وأصغى لما حوله، علّه يلتقط حركةً خفيفة في الأدغال—ربما فأرًا صغيرًا أو طائرًا يحلّق قريبًا من الأرض—لكن الصمت كان سيّد المكان، لا يقطعه سوى همس الريح الدافئة بين الأوراق.
نهض من موضعه واستأنف المسير، يمرّ بين أشجارٍ باسقة تلقي بظلالٍ ممتدة على الطريق، وبين شجيرات يابسة وأعشاب صفراء أنهكها الحرّ. حتى بلغ جدولًا ضحل الماء عكر اللون، فانحنى وتذوّق منه قليلًا، لكنه وجده دافئًا كئيب الطعم، فارتدّ قائلًا بحزن:
«حتى ماء الجدول لم يسلم من وطأة الحرّ، فبدا باهتًا واهنًا كأن التعب نال منه.»
جلس لحظاتٍ يفكر في الراحة، لكن الجوع كان أشدّ إلحاحًا من التعب، فدفعه إلى المضيّ قدمًا. رفع أنفه يستنشق الهواء، فإذا برائحةٍ غريبة تلامس حواسه—رائحة حلوة، شهية، لم يعهدها منذ زمن. فانتبه على الفور، وأعاد الشمّ بِتَأَنٍّ، فإذا بها رائحة فاكهة ناضجة، عذبة آسرة، تحمل في طيّاتها وعدًا بالانتعاش.
همس بلهفة وقد أشرق بريقٌ في عينيه:
«ما هذا العطر؟»
وسال لعابه، وتحركت فيه رغبة عارمة. تبع الأثر، وترك الطريق، متجهًا نحو أطراف الغابة. هناك، خلف الأشجار، انكشف له مشهد حقلٍ مفتوح، وبجواره جدار حجري عتيق، تعلوه كروم خضراء ملتفة. اقترب بخطى متسارعة، حتى وقعت عيناه على ما كان يبحث عنه.
عناقيد من العنب.
عناقيد ضخمة متدلّية، بلونٍ أرجوانيّ أخّاذ، تتلألأ تحت أشعة الشمس كأنها حبات من جواهر مصقولة. كانت ممتلئة، مشدودة القشرة، توحي بما تختزنه من عصيرٍ باردٍ عذب.
توقّف الثعلب مشدوهًا، وحدّق فيها بدهشة ممزوجة بالإعجاب، ثم قال بصوت خفيض كأنه يناجي نفسه:
«يا لها من ثمارٍ فاتنة!»
وفي تلك اللحظة، تلاشى عنه تعب الطريق، واشتدّ إحساسه بالجوع، وتخيّل طعمها البارد ينعش فمه اليابس. قال بثقة:
«إنها مثالية... ناضجة، حلوة، ومنعشة... تمامًا ما أحتاج إليه.»
تقدّم نحو الجدار، ورفع رأسه متأمّلًا. بدت الثمار عالية، لكنها في نظره لم تكن مستحيلة المنال—أو هكذا ظنّ.
قال بثقة مشوبة بالأمل:
«ليست بعيدة... قفزة واحدة كفيلة ببلوغها.»
وهكذا، تحت شمسٍ حارقة، وقلبٍ ممتلئ بالأمل، وبطنٍ يعصف به الجوع، تهيّأ الثعلب للمحاولة الأولى.
وقف أسفل الجدار، وعيناه معلّقتان بالعناقيد، وقد بدت له أكثر إغراءً من أي وقت مضى. تراجع خطوات، حدّد هدفه، ثم اندفع بكل قوته وقفز عاليًا. للحظةٍ خاطفة، ظنّ أنه بلغ مراده، لكنه لم يمسك سوى الهواء، ولامست أطرافه بعض الأوراق، ثم سقط أرضًا.
اعتدل سريعًا وقال وهو يلهث:
«كانت قريبة... قريبة جدًا.»
ونهض، ونفض الغبار، وعاود المحاولة. ركض أسرع، وقفز أعلى، مدّ جسده كله نحو الهدف، لكنه أخفق مرة أخرى. ظلّ العنب يتمايل فوقه، بعيدًا عن متناول يديه.
قطّب حاجبيه وقال:
«إذًا، أحتاج إلى قفزة أعلى.»
لم يستسلم. ظلّ يحاول، يركض ويقفز مرارًا، مدفوعًا بالجوع والعناد. حاول التسلق، ففشلت مخالبه على الحجارة الملساء. دار حول الجدار بحثًا عن موضعٍ أدنى، لكن دون جدوى.
تمتم ساخطًا:
«كأنها تسخر مني... تتدلّى هناك وكأنها تعلم أني لا أستطيع الوصول إليها.»
ومع ذلك، لم يكن مستعدًا للاستسلام.
«أنا ثعلب... ولا بد من طريقة.»
مرّ الوقت، وتوالت المحاولات، وكل مرةٍ كانت تزداد مشقة. ضعفت قواه، واشتدّ عليه الحر، وتضاعف جوعه، لكنه واصل، يقنع نفسه بأن القفزة التالية ستكون الحاسمة.
«مرة أخرى... فقط مرة.»
قفز مرة... ثم أخرى... ثم أخرى...
حتى انهار أخيرًا على الأرض، يلهث بشدة، وقد أنهكته المحاولات. نظر إلى العناقيد، فرأى فيها جمالًا يكاد يكون قاسيًا—قريبة حدّ الوهم، بعيدة حدّ الاستحالة.
حاول حيلة أخيرة، فوضع حجرًا صغيرًا وقف عليه ليزداد ارتفاعًا، لكنه انزلق وسقط. تأوّه بمرارة وقال:
«هذا مستحيل.»
ومع ذلك، ظلّ ينظر إليها، كأنها حلمٌ يرفض أن يتركه.
ومع انحدار الشمس نحو المغيب، هدأ وهج النهار، وسكنت الطبيعة شيئًا فشيئًا. نهض الثعلب ببطء، مثقل الجسد، مجروح الكبرياء. نظر إلى العنب نظرة أخيرة، ثم قال:
«ربما عليّ أن أرحل.»
ابتعد، لكن فكره بقي معلقًا هناك. كان يستعيد المشهد في ذهنه، كل قفزة، كل أمل، كل سقوط. وتمتم بأسى:
«لقد حاولت كثيرًا... ومع ذلك فشلت.»
وكان وقع هذه الحقيقة أشدّ عليه من الجوع ذاته.
ومع مرور الوقت، تحوّل إحباطه إلى غضب، ثم إلى تبرير. قال لنفسه:
«لعلها ليست بذلك القدر من الجودة... ربما لم تنضج بعد... ربما هي حامضة.»
وكلما كرر ذلك، خفّ عنه الألم قليلًا.
«نعم... لا شأن لي بعنبٍ حامض.»
وبدأ يصدق ما يقوله، لا لأنه الحقيقة، بل لأنه أهون على النفس من الاعتراف بالعجز.
ولما التقى بأرنب في طريقه، أخبره بثقة مصطنعة أنه لم يأكل العنب لأنه حامض، فصدّقه الأرنب، ومضى الثعلب وقد ازداد اقتناعًا بما ادّعاه.
لكن حين خلت به نفسُه ليلًا، تحت السماء المرصعة بالنجوم، همس بصوتٍ خافت:
«قلت إنها حامضة... لكن ذلك ليس صحيحًا.»
وأقرّ بالحقيقة التي حاول طمسها:
«لقد أردتها بشدة... وبذلت جهدي... لكنني لم أستطع بلوغها.»
وأدرك أن كبرياءه هو من دفعه إلى تغيير الرواية، من «لم أستطع» إلى «لا أريد».
وفي الصباح، نهض وقد هدأ غضبه، واستبان له الدرس:
ليس الخطأ في الرغبة، ولا في المحاولة، بل في خداع النفس عند الفشل.
وقف عند الماء، وتأمل صورته، وقال:
«لم أخطئ حين أردت، ولم أخطئ حين حاولت، لكنني أخطأت حين كذبت على نفسي.»
ثم مضى، أخفَّ قلبًا، وأصفى فهمًا.
فالعنب لم يكن حامضًا...
بل كان بعيد المنال.
وتلك هي الحقيقة.
وفي خاتمة المطاف، تترك هذه التجربة أثرًا هادئًا عميقًا في النفس؛ إذ ليس كل ما يُشتهى يُدرك، مهما اشتدّ التعلّق وتعاظم السعي. غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في بلوغ الغايات وحدها، بل في معرفة الإنسان لنفسه خلال رحلته إليها. فعند مواجهة الإخفاق، يسهل على المرء أن يتوارى خلف ستار الكبرياء، فينكر ما كان يتمناه. غير أن النضج الحقيقي ينبع من الصدق مع الذات، ومن القدرة على الاعتراف بالحدود دون تحريف الحقيقة.
أما العبرة، فهي جليّة وبسيطة:
إنّ قبول الفشل بصدقٍ أشرف من سَتره بالأعذار.
فالقوة الحقيقية لا تُقاس ببلوغ كل ما نريد، بل بما نتعلّمه حين لا نبلغ، وبما نكتسبه من وعيٍ وتواضع ونحن نمضي قدمًا في دروب الحياة.
فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789
منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54
قصة مثل: أما آن لهذا الفارس أن يترجل
قصة مثل: أبشر بطول سلامة يا مربع
قصة مثل: لا يُفتى ومالك في المدينة
قصة مثل: إياكِ أعني واسمعي يا جارة
للمزيد
معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب
الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية
إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن
استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط
مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم
مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات
أيضاً وأيضاً
الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور
شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور
الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها
تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات
كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها
مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية
التوتر الرقمي: كيف تحيا بسلام نفسي في زمن الضجيج


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق