حين تتضخم النعمة تولد النقمة
في تلك الليلة المشؤومة من ليالي بغداد، حين أرخى الظلام سدوله على القصور والطرقات، وسكنت المدينة إلا من صفير الريح وهي تَعبَثُ بسعف النخيل، كان الهدوء يخيّم على الدور الفاخرة التي لم تكن، قبل أيام قليلة، تعرف إلا أصوات الغناء والضحك ورنين الدنانير الذهبية. كان الليل ثقيلاً كأنه يحمل في جوفه سرًّا لا تريد بغداد أن تصحو عليه، وكانت القصور التي طالما شهدت مجالس الأنس والنعيم تبدو كأنها تترقب فاجعة قريبة.
وفجأة، في قلب ذلك السكون، ارتفع صوت خطوات سريعة ثقيلة، تقترب من غرفة نوم رجل كان يُعدّ أقوى شخصية في الدولة بعد الخليفة. لم يكن جعفر بن يحيى البرمكي يعلم أن تلك الخطوات لم تكن لحارس يحمل رسالة، ولا لخادم جاء بشراب، ولا لرسول يستدعيه إلى مجلس من مجالس السمر، بل كانت خطوات الموت نفسه، يقترب في صمت، ويتهيأ ليطوي صفحة كاملة من تاريخ العباسيين.
انفتح الباب بعنف، وظهر مسرور السياف، وجهه جامد لا حياة فيه، وفي يده سيف يلمع تحت ضوء المشاعل الخافت. رفع جعفر بصره إليه، ورأى أمامه رجلاً يعرفه منذ زمن، رجلاً من خاصّة الخليفة، فابتسم ابتسامة الواثق المطمئن، ظانًّا أن هارون الرشيد أرسله ليستدعيه إلى مجلسه كما اعتاد. غير أن مسرورًا لم يرد الابتسامة، ولم يخفف من وحشة الموقف بكلمة ودّ، بل نطق بعبارة باردة كأنها قطعة من جليد، جمّدت الدم في عروق الوزير المدلل: إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك.
في لحظة واحدة، انقلبت الدنيا في عين جعفر. الرجل الذي كان بالأمس صاحب السلطان والنفوذ، الآمر الناهي، صاحب المال الذي لا يحصى والجاه الذي لا ينازع، وجد نفسه فجأة إنسانًا مجردًا من كل شيء، لا يملك من أمره إلا التوسل في طلب لحظة أخرى من الحياة. كيف انتهت تلك الصداقة التي ضرب الناس بها الأمثال إلى هذا المشهد المروّع؟ كيف تحوّل القرب من الخليفة إلى سيف مسلط على الرقاب؟ وما السر الذي جعل هارون الرشيد يقرر في ليلة واحدة أن يقتلع أسرة كاملة من جذورها، أسرة كانت في زمن من الأزمان تكاد تكون هي الدولة، وكانت الدولة لا تقوم إلا بها؟
ليست نكبة البرامكة مجرد حكاية عن قتل ودماء، ولا مجرد حادثة سياسية عابرة في تاريخ الخلافة العباسية، بل هي دراما عميقة عن السلطة حين تضيق بأقرب الناس إليها، وعن النفوذ حين يكبر حتى يخيف صاحبه قبل خصومه، وعن تلك القاعدة القاسية التي تكررت في قصور الملوك: من اقترب من السلطان أكثر مما ينبغي، احترق بناره.
ولكي نفهم النهاية الدموية، لا بد أن نعود إلى البداية، إلى زمن لم تكن فيه السيوف مرفوعة، ولا السجون مفتوحة، ولا الرؤوس معلّقة على الجسور، بل كان المجد في أبهى صوره، والنعيم في أوسع أبوابه.
في أوج العصر الذهبي للدولة العباسية، كان اسم البرامكة يعني شيئًا واحدًا في بغداد وخارجها: السلطان الواسع، والثراء المدهش، والنفوذ الذي لا تكاد تحدّه حدود. لم يكونوا مجرد وزراء يعملون في بلاط الخليفة، ولا موظفين كبارًا يديرون شؤون الدواوين، بل كانوا العقل الإداري الذي تدور حوله الدولة، واليد التي تحرك كثيرًا من مفاصل الإمبراطورية الإسلامية الممتدة من المشرق إلى المغرب.
كان يحيى بن خالد البرمكي، كبير الأسرة وعمادها، بمنزلة الأب الروحي لهارون الرشيد. فقد ربّاه منذ صغره، ورعاه وهو طفل في القصر، حتى إذا بلغ هارون الخلافة بقي في نفسه ليحيى منزلة الأب والمربي والمعلم. وقد بلغ من تقدير الرشيد له أنه كان يخاطبه بقوله: يا أبتِ، اعترافًا بفضله ومكانته. وعندما تولى هارون الحكم، سلّم ليحيى خاتم الخلافة، وفوّض إليه أمر الرعية، قائلاً له ما معناه إنه قد قلّده شأن الناس، يحكم فيهم بما يرى، لأنه مشغول عن مباشرة تفاصيل أمورهم.
بهذه الثقة المطلقة فُتح باب النفوذ أمام البرامكة. وما كان في بدايته تفويضًا إداريًا تحول مع الأيام إلى سلطة هائلة، تكبر وتتسع حتى صارت تهدد هيبة الخليفة نفسه. تولى أبناء يحيى، وعلى رأسهم الفضل وجعفر، ومعهم أقاربهم وأنصارهم، مفاصل الدولة كلها. الدواوين في أيديهم، الأموال تحت رقابتهم، الجيوش تتحرك بإشارتهم، والولاة يعينون ويعزلون بما يشبه الأمر الصادر من خاتم السلطان نفسه.
وكان الناس في بغداد يتحدثون عن كرم البرامكة كما يتحدثون عن الخلافة، بل ربما أكثر. فقد أغدقوا الأموال على الشعراء والعلماء والفقهاء والفقراء، وفتحوا أبوابهم لأصحاب الحاجات، حتى صار الجود البرمكي مثلاً يجري على الألسنة. وشيئًا فشيئًا، أصبح حب العامة لهم واسعًا جارفًا، لا لأنه حب سياسي فحسب، بل لأنهم رأوا فيهم يدًا معطاءة، ووجهًا باسمًا، وبابًا لا يغلق أمام محتاج.
لكن هذا الحب نفسه كان يحمل بذور الخطر. فشعبية الوزير في بلاط الملوك ليست دائمًا نعمة، بل قد تتحول إلى خنجر مسموم في قلب السلطان. وحين يرى الحاكم أن الناس يذكرون وزيره قبل أن يذكروه، وأن أبواب الوزير صارت قبلة المحتاجين والطامحين، تبدأ الظنون في التسلل إلى النفس، وتبدأ السلطة في سؤالها المرعب: من الحاكم الحقيقي؟ صاحب العرش أم صاحب النفوذ؟
ومن بين رجال البرامكة جميعًا، كان جعفر بن يحيى أكثرهم قربًا من قلب هارون الرشيد، وأكثرهم إثارة للإعجاب والجدل. كان شابًا وسيمًا، فصيح اللسان، ذكي القلب، حاضر البديهة، أنيق المظهر، يجمع بين لطف المجلس وحسن السياسة، وبين القدرة على إدارة شؤون الحكم ومهارة المنادمة والمحادثة. نشأت بينه وبين الرشيد علاقة نادرة بين خليفة ووزير؛ علاقة قيل عنها إنهما كانا كروح واحدة في جسدين.
تروي الأخبار أن الرشيد كان لا يطيق فراق جعفر، وأنه كان يأنس به أنسًا شديدًا، حتى قيل إنه أمر بتفصيل رداء واسع يجلسان تحته معًا. ومهما بالغت الروايات في تصوير هذا القرب، فإنها تكشف حقيقة لا شك فيها: أن جعفر لم يكن مجرد وزير عند الرشيد، بل كان نديمه وصفيّه وصاحب سره. كان الرجل الذي يضحك معه، ويفهم إشاراته، ويشاركه سهراته، ويملأ عليه فراغ الملك ووحشة العرش.
غير أن القرب الشديد من السلطان قد يكون أعظم أبواب الهلاك. فما كان بالأمس سببًا في الرفعة، صار مع الزمن سببًا في الشك. وما كان في بدايته صداقة وودًّا، تحوّل حين اضطرب ميزان القوة إلى خوف مكتوم وغضب مؤجل.
في تلك الأيام، بنى جعفر لنفسه قصرًا عظيمًا بلغ من الفخامة حدًّا أثار الدهشة. أنفق عليه أموالاً طائلة، وزينه بالذهب والفضة والجواهر والتحف، حتى بدا كأنه قصر ملك لا قصر وزير. وعندما زاره هارون الرشيد ورأى ما فيه من بذخ واتساع وزينة، تحرك في صدره شعور معقد؛ لم يكن إعجابًا خالصًا، ولا حسدًا صريحًا فحسب، بل كان خوفًا من أن وزيره صار يعيش بما يشبه حياة الملوك.
وهنا وجد الوشاة وأعداء البرامكة فرصتهم. كان في البلاط من يراقب صعودهم بقلق وحقد، ومنهم الفضل بن الربيع، الذي كان يرى في نفوذ البرامكة خطرًا على مكانته وعلى هيبة الخليفة. بدأ هؤلاء يهمسون في أذن الرشيد كلما سنحت الفرصة: إن البرامكة قد استأثروا بملكك، ولم يتركوا لك إلا الاسم. أنت الخليفة في الخطبة والسكة، أما الأمر والنهي والمال والرجال ففي أيديهم.
ولم تكن هذه الهمسات كلها من نسج الخيال. فقد كان الرشيد يلمس بنفسه أن البرامكة قد بالغوا في السيطرة على مفاصل الحكم. وإذا أراد مالاً لحاجة خاصة وجد المماطلة والتأخير، وإذا أراد أمرًا يسيرًا رأى أن دونه حواجز من الدواوين والتدبير. وفي الوقت نفسه كان يرى قصورهم تعلو، وولائمهم تمتد، وأموالهم تنفق بلا حساب. فبدأ الشك ينخر في قلبه: هل هؤلاء خدمي حقًا، أم أنني صرت أنا ظلًّا لسلطانهم؟
ثم لم تلبث التهم أن تجاوزت حدود المال والنفوذ إلى ما هو أخطر: الدين والعقيدة وأمن الدولة. انتشرت شائعات تقول إن البرامكة، بما لهم من أصل فارسي قديم، يخفون في نفوسهم ميلاً إلى ديانات آبائهم، وإن إسلامهم ليس إلا ستارًا لغايات سياسية. وقيل للرشيد إنهم يرسلون الأموال إلى خراسان، ويهيئون لأنفسهم قوة يمكن أن تهدد سلطان بني العباس. ومثل هذه الاتهامات، في بيئة سياسية مشحونة، كانت كالنار في الهشيم، تزيد مخاوف الخليفة وتمنح خصوم البرامكة سلاحًا خطيرًا.
غير أن الروايات تضيف سببًا آخر، أشد خصوصية وأعمق وقعًا في نفس الرشيد: قصة العباسة، أخت الخليفة. كانت العباسة، كما تصفها الأخبار، امرأة بارعة الجمال والذكاء والفصاحة، وكان الرشيد يحبها حبًا شديدًا، كما كان يحب جعفرًا. ولأن الخليفة كان لا يطيق أن يغيب عنه أحبّ الناس إليه، أراد أن يجمع بين جعفر والعباسة في مجالسه من غير أن يقع ما يخالف أحكام الشريعة أو أعراف البلاط. فخطر له أن يعقد بينهما زواجًا صوريًا، يتيح لهما الحضور معًا في مجلسه، على شرط صارم: ألا يخلو جعفر بالعباسة، وألا تكون بينهما علاقة زوجية حقيقية.
كان الشرط غريبًا، بل مخالفًا لطبيعة النفس البشرية. قَبِل جعفر، أو اضطر إلى القبول، وظن الرشيد أنه يستطيع أن يجعل من الزواج رابطة شكلية لا حياة فيها. لكن العواطف لا تسير دائمًا بأوامر السلاطين، والقلوب لا تخضع لشروط مكتوبة. وتقول بعض الروايات، مع اختلاف المؤرخين في صحتها، إن لقاءات سرية وقعت بين جعفر والعباسة، وإن العلاقة التي أرادها الرشيد شكلية تحولت إلى حقيقة مخبوءة في الظلام.
ثم جاءت الوشاية الكبرى: قيل للرشيد إن العباسة أنجبت ولدًا من جعفر، وإن الطفل أُرسل سرًا إلى مكة ليُربّى بعيدًا عن العيون. وسواء كانت هذه الرواية صحيحة أم من صنع الأعداء، فإن أثرها في نفس الرشيد كان بالغًا. فقد اجتمعت في قلبه أسباب كثيرة في وقت واحد: خوف من نفوذ سياسي متعاظم، وغضب من احتكار الأموال، وشكوك دينية، ثم إحساس جارح بأن هيبة البيت العباسي وشرفه قد مُسّا من أقرب الناس إليه.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الرشيد يرى البرامكة كما كان يراهم. لم يعودوا في عينه أصدقاء ومربين ووزراء أوفياء، بل قوة ضخمة يمكن أن تبتلع الخلافة نفسها. تغيرت نظرته إليهم، لكن دهاءه منعه من إظهار غضبه. ظل يعاملهم بظاهر اللطف، ويغمرهم بالمجاملة، حتى في الرحلة الأخيرة قبل النكبة. شعر البرامكة بالأمان، وربما ظنوا أن ما يثار حولهم من وشايات قد مرّ كما مرّ غيره. لكن البركان كان يغلي تحت السطح، والرشيد كان ينتظر اللحظة التي يضرب فيها ضربته القاضية.
عاد الخليفة إلى قصره في الأنبار على ضفاف الفرات، وكان الجو مشحونًا بتوتر خفي لا يدركه إلا من يعرف طبائع الملوك إذا سكتوا طويلاً. وفي تلك الليلة الحاسمة، بدا الرشيد كأنه يصارع نفسه. كان القرار الذي يتهيأ له ليس قرارًا عاديًا؛ إنه قرار بقتل جعفر، صفيّه وأنيسه، وسجن يحيى، الرجل الذي كان يخاطبه بالأبوة، ومصادرة مجد أسرة كاملة قامت الدولة على أكتافها سنوات طويلة.
تخاصم في نفسه صوتان: صوت الذكرى والوفاء، وصوت الملك والخوف. كان الإنسان فيه يتردد، أما الخليفة فيه فكان يحسم. وفي النهاية انتصر منطق السلطان القاسي: الملك لا يرحم إذا أحسَّ بالخطر، والعرش لا يعرف القرابة حين تهتز أركانه. عندئذ استدعى الرشيد مسرورًا السياف، وأصدر إليه أمرًا لا يحتمل التأويل: اذهب إلى جعفر، وائتني برأسه.
ارتاع مسرور من الأمر، وحاول أن يستوثق، ظانًا أن الخليفة قد يكون في لحظة غضب أو انفعال عابر. لكنه وجد أمامه خليفة حاسمًا لا رجعة في قراره. وحين تردد مسرور، هدده الرشيد بأن رأسه هو سيكون الثمن إن لم ينفذ الأمر. خرج السياف من عنده مرتجفًا، يعرف أن ليلة البرامكة قد حلّت، وأن الفجر لن يطلع عليهم كما طلع من قبل.
وصل مسرور إلى قصر جعفر، واخترق الحرس الذين لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقه. دخل على جعفر، وأبلغه الأمر. وبرغم هول الصدمة، لم يستسلم جعفر للموت فورًا. حاول أن يتعلق ببارقة أمل أخيرة، فقال لمسرور لعل أمير المؤمنين أمر بذلك في لحظة غلبة، فدعني إلى الصباح، فربما ندم أو رجع عن أمره. وافق مسرور على أن يعود إلى الخليفة ليتأكد من الأمر، بينما بقي جعفر محاطًا برجال الموت، ينتظر حكمًا يعرف في أعماقه أنه قد صدر.
عاد مسرور إلى الرشيد، فلم يجد إلا إصرارًا أشد وحسمًا أقسى. عندئذ أدرك أن لا نجاة لجعفر، وأن التاريخ قد بدأ يكتب نهايته بحد السيف.
في تلك الساعات، كانت بغداد نائمة لا تدري أن عصرًا كاملاً يلفظ أنفاسه الأخيرة. كان الفضل بن يحيى في داره، ويحيى الشيخ الكبير في عبادته أو خلوته، لا يعلمون أن الأوامر قد خرجت، وأن الخطة لم تكن لقتل جعفر وحده، بل لاقتلاع البرامكة كلهم من السلطة والمال والذاكرة. فقد صدرت الأوامر إلى قادة الشرطة والحرس بالتحرك في وقت واحد، لمصادرة القصور، واعتقال الرجال، وضبط الأموال، ومحاصرة كل من ينتسب إلى تلك الأسرة العظيمة.
عاد مسرور إلى جعفر، ونظر إليه نظرة وداع صامتة، ثم نفذ الأمر. وسقط رأس أشهر وزير في ذلك العصر، لتبدأ بعده مرحلة لم تعرف بغداد مثلها من قبل.
حُمل رأس جعفر إلى هارون الرشيد. وُضع بين يديه في مشهد ترتجف له النفوس. نظر الخليفة إلى وجه صديقه الذي كان يضاحكه قبل وقت قريب، فإذا به ساكن لا حياة فيه، وقد انطفأ ذلك الذكاء الذي طالما أضاء مجالس الرشيد. لم يتكلم الخليفة. بقي صامتًا، يحدق في الملامح التي حفظها سنوات، كأن الزمن كله توقف في تلك الغرفة. وربما أحس في تلك اللحظة أن السيف لم يقطع رأس جعفر وحده، بل قطع شيئًا من قلبه هو أيضًا.
لكن عجلة الانتقام كانت قد دارت، ولم يعد هناك مجال للتراجع. في الليلة نفسها أمر الرشيد باعتقال يحيى بن خالد والفضل بن يحيى وسائر من يمتّ إلى البرامكة بصلة. انطلق الجنود نحو قصورهم كما تنطلق الذئاب نحو فريسة غافلة. أما القصور التي كانت قبل قليل عامرة بالخدم والحراس والضوء، فقد صارت مسرحًا للفزع والمداهمة والمصادرة.
كان يحيى، الشيخ الجليل الذي عرف الدنيا في عزّها، هادئًا حين اقتحم الجنود عليه داره. لم يصرخ، ولم يجزع، بل سأل سؤالاً واحدًا: هل قُتل جعفر؟ فلما قيل له نعم، أطرق رأسه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد فهم الشيخ أن الأمر أكبر من اعتقال عابر، وأن دولة البرامكة قد انقضت.
سيق يحيى وأبناؤه في الأغلال، بعد أن كانوا لا يتحركون إلا محفوفين بالحشم والهيبة. ورأى أهل بغداد مشهدًا لم يتخيلوه: رجال كانوا سادة الدواوين، وأصحاب الأمر والنهي، يساقون إلى السجون كأنهم مجرمون لا ذكر لهم ولا جاه. ولم يكتف الرشيد بسجنهم، بل أمر بمصادرة أموالهم، وممتلكاتهم وبيوتهم وخزائنهم. دخلت يد الدولة إلى كل ما يملكون، فحملت الذهب والجواهر والتحف والفرش والثياب، حتى قيل إن ما صودر منهم كان من الضخامة بحيث يكفي لبناء مدن وشراء ولاءات لا تحصى.
وتحولت قصور البرامكة، التي كانت رمزًا للرفاه والكرم، إلى أطلال موحشة. أما نساؤهم وأطفالهم، فقد ذاقوا مرارة السقوط بعد عز لا يُجارى. وتروي الأخبار أن امرأة من نسائهم دخلت يومًا على قوم تطلب جلد أضحية لتتغطى به من البرد، فلما عرفوها تعجبوا من حالها، فقالت بحزن إن عيدًا مضى عليها في هذه البلاد ولم يكن فيها من هو أغنى منها، ثم جاء عيد آخر ولم يكن فيها من هو أفقر منها. هكذا تفعل الدنيا بأهلها حين تدير وجهها عنهم.
أما في السجن، فقد كان المشهد أشد قسوة. جُمع يحيى والفضل في مكان ضيق مظلم، بعد حياة مترفة لا تعرف ضيقًا ولا خشونة. كان الفضل، الذي عاش في النعيم، يرى والده الشيخ يتألم من برد الماء وقسوة المكان، فكان يحاول أن يدفئ له الماء بجسده. يا له من تحول مروّع: رجل كانت توقد له النيران بالعطر والطيب، صار يدفئ الماء بحرارة بدنه المريض في زنزانة مظلمة.
وسأل أحد الأبناء يحيى في السجن: يا أبتِ، بعد الأمر والنهي والمال العظيم، كيف صرنا إلى هذا الحال؟ فأجابه يحيى بكلمة تختصر حكمة السقوط: لعلها دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها. كانت تلك العبارة أشبه بحكم التاريخ على كل من يظن أن السلطان يحميه من حساب الأيام، أو أن القوة تمنع عنه آثار الظلم إذا جاء أوانه.
لم يرد الرشيد أن يسقط البرامكة في السياسة والمال فقط، بل أراد أن يسقط ذكرهم أيضًا. منع الناس من رثائهم وذكر محاسنهم، وتَوَعَّد من يخالف بالعقاب. غير أن القلوب لا تنسى بسهولة من أحسن إليها. ظل الناس يذكرون كرمهم سرًا، ويتناقلون المراثي في الخفاء، كأن بغداد نفسها كانت تخجل من الصمت على من ملأوا طرقاتها بالعطاء.
وبقي جسد جعفر معلقًا على الجسر مدة طويلة، ليكون عبرة لمن يعتبر. كان ذلك المشهد إعلانًا واضحًا بأن الخليفة لا يصفح عمّن يراه خطرًا، مهما كان قريبًا. ومع ذلك، قيل إن الرشيد كان إذا مرّ بذلك الموضع أشاح بوجهه، وإن من حوله كانوا يلمحون في عينيه أثر ندم لا يستطيع أن يخفيه.
وبدأ الندم يأكل قلب الخليفة شيئًا فشيئًا. فقد اكتشف بعد سقوط البرامكة أن التخلص منهم لم يكن مجرد إزالة خصوم، بل كان قطعًا ليد إدارية ماهرة كانت تحمل عنه أعباء الدولة. اضطربت الدواوين، وظهر الخلل في الإدارة، ولم يكن من جاء بعدهم في كفاءتهم ولا تجربتهم. وكان الرشيد إذا واجه مشكلة معقدة أو عجزًا في التدبير تذكرهم، وقال متحسرًا إنهم كانوا يكفونه المؤونة.
ولم يكن الفراغ إداريًا وحده، بل كان فراغًا إنسانيًا أيضًا. فقد فَقَدَ الرشيد في جعفر أنيسه وصاحب سره، الرجل الذي كان يفهمه من غير إطالة، ويملأ مجالسه بروح المرح والذكاء. بعد جعفر، صار الخليفة أكثر عزلة، وانطفأ في مجالسه شيء من البهجة القديمة. إن الملوك قد يملكون الجند والمال، لكنهم لا يجدون بسهولة صاحبًا يفهم وحشة العرش.
مات يحيى بن خالد في سجنه بالرقة، بعد أن كان سيدًا مُطاعًا وصاحب كلمة نافذة في الدولة. ولم يمض وقت طويل حتى لحق به ابنه الفضل، متأثرًا بما نزل به من مرض وقهر وسوء معاملة. وحين بلغ الخبر الرشيد، لم يظهر شماتة، بل بدا عليه الانكسار، كأنه أدرك أن نهاية البرامكة لم تكن بعيدة عن نهايته هو أيضًا.
ولم يعش هارون الرشيد طويلًا بعدهم. فقد خرج إلى خراسان لإخماد فتنة، واشتد عليه المرض في طريقه. وفي أيامه الأخيرة، صار أكثر شعورًا بثقل ما مضى. كان يتذكر الدماء والقرارات، ويتأمل المصير، حتى انتهت حياته بعيدًا عن بغداد التي ملأت الدنيا باسمه. مات الخليفة العظيم وحيدًا في قبره، كما مات البرامكة وحيدين في سجونهم، وكأن التاريخ أراد أن يرد الجميع إلى الحقيقة الواحدة: لا سلطان يدوم، ولا جاه يرافق صاحبه إلى النهاية.
انتهت قصة البرامكة، لكن عبرتها لم تنتهِ. لقد تركت لنا درسًا مكتوبًا بدم الأصدقاء ودموع النادمين: أن السلطة المطلقة لا تعرف صداقة ثابتة إذا شعرت بالخطر، وأن المُلك عقيم لا يرحم حتى أقرب المقربين. ظن البرامكة أن قربهم من الخليفة حصن لا يُخترق، وأن فضلهم القديم سيشفع لهم إلى الأبد، لكنهم نسوا أن قلوب الملوك تتقلب، وأن دوام الحال من المحال.
ويبقى السؤال معلقًا بين صفحات التاريخ: هل كان الرشيد يحمي خلافته من نفوذ تضخم حتى كاد يبتلع الدولة؟ أم أنه ارتكب جريمة لا تُغتفر في حق الوفاء والإنسانية؟ هل كانت نكبة البرامكة ضرورة سياسية، أم مأساة صنعها الخوف والوشاية والغيرة؟ لا يزال هذا السؤال يبحث عن جواب بين سطور المجد والمظالم، وبين ما يرويه المؤرخون وما تسكت عنه القصور.
غير أن ما هو أبقى من السؤال السياسي هو العبرة الإنسانية. أين يكون الأمان الحقيقي؟ أفي المال؟ لقد مَلَكَ البرامكة أموالًا لا تكاد تُحصى، فلم تمنع عنهم السجن ولا المصادرة ولا التشرد. أفي الجاه والمنصب؟ لقد كانوا الحكام الفعليين في دولة واسعة، ثم جردهم قرار واحد من كل شيء. أفي القرب من أصحاب السلطان؟ لقد كانوا أقرب الناس إلى الرشيد، ثم صار قربهم نفسه سببًا في هلاكهم.
ربما يكون الأمان الحقيقي في البساطة، في البعد عن أضواء السلطة الحارقة، في أن ينام الإنسان وليس في عنقه حق لمظلوم، ولا في قلبه خوف من وشاية، ولا في يده مال جمعه من طريق يندم عليه. لقد علمت نكبة البرامكة الناس أن الصعود السريع إلى القمة قد يعقبه سقوط مفزع إلى الهاوية، وأن من يبني مجده على رمال السياسة المتحركة يجب أن يتوقع انهيار البناء فوق رأسه في أي لحظة.
ومع ذلك، بقي اسم البرامكة في الذاكرة مرادفًا للكرم والجود والبذخ والهيبة. كأن التاريخ أراد أن ينصفهم بعد سقوطهم، فحفظ لهم أجمل ما عرفه الناس عنهم، وإن لم يمحُ ما أحاط بنهايتهم من مأساة. بقيت قصتهم ناقوسًا يدق في عالم الحكم والسياسة، يذكّر كل صاحب سلطان بأن الكرسي لا يدوم، وأن من ترفعه اليوم إلى أعلى المراتب قد تخشاه غدًا، أو تسحقه بيدك ثم تبكيه حين لا ينفع البكاء.
إنها مأساة الإنسان مع السلطة؛ حيث تتبخر المبادئ عند أول امتحان للبقاء، وتضعف الصداقة أمام وسواس الملك، ويصبح الوفاء ذكرى جميلة لا تصمد أمام الخوف. رحم الله البرامكة، وغفر لهارون الرشيد، وألهمنا نحن الأحياء حكمة الاعتبار قبل أن تأتي لحظة لا ينفع فيها ندم.
وفي نهاية هذه الحكاية الدامية، يجدر بالإنسان أن يلتفت إلى حياته الهادئة البسيطة، وأن يسأل نفسه: أليست السلامة من الدسائس والخوف أثمن من ذهب بغداد وكنوز البرامكة؟ أليس الأمن في البيت، والعافية في الجسد، وقوت اليوم، خيرًا من سلطان يملأ القلب رعبًا؟ إن القناعة كنز لا يفنى، والسلامة غنيمة لا تعوض، ومن فهم عبرة التاريخ قبل أن يقع فيها، فقد نجا من كثير من أوهامه.
وهكذا تطوى صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي، صفحة ملأى بالمجد والدم، بالوفاء والغدر، بالصعود المدهش والسقوط المفزع. إنها صفحة تقول لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: لا تغتر بقربك من القوة، ولا تركن إلى سلطان زائل، ولا تظن أن الدنيا إذا أقبلت عليك فقد ضمنت بقاءها؛ فكم من قصر صار خرابًا، وكم من سيد أصبح سجينًا، وكم من صديق صار ضحية خوف صديقه.
فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789
منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54
قصة مثل: أما آن لهذا الفارس أن يترجل
قصة مثل: أبشر بطول سلامة يا مربع
قصة مثل: لا يُفتى ومالك في المدينة
قصة مثل: إياكِ أعني واسمعي يا جارة
للمزيد
معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب
الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية
إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن
استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط
مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم
مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات
أيضاً وأيضاً
الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور
شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور
الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها
تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات
كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها
مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية
التوتر الرقمي: كيف تحيا بسلام نفسي في زمن الضجيج


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق