الجمعة، 20 فبراير 2026

• قصة مثل: لا يُفتى ومالك في المدينة


أصل المثل

من حكم العرب وأخبار السلف عبارات صارت أمثالاً تجري على الألسنة، تحمل في طياتها عِبَر التاريخ ومهابة العلم. ومن أشهرها قولهم: «لا يُفتى ومالك في المدينة»، وهي كلمة لم تُقل عبثاً، بل نبتت من حادثة عجيبة ترويها كتب الفقه والتراجم، فكانت شاهداً على علو كعب الإمام مالك، ومكانته التي لا تُجارى في الفتوى.

كانت المدينة المنورة في زمن الإمام مالك بن أنس دارَ علمٍ وموئلَ فقهٍ وحديث، تُشدّ إليها الرحال، ويقصدها طلاب العلم من كل صوب. وفي تلك الأيام وقعت حادثةٌ عجيبة أدهشت أهل المدينة وأربكت علماءها.

انتقلت امرأةٌ من نساء المدينة إلى جوار ربّها، فاستُدعيت مغسِّلةٌ لتتولى تجهيزها وفق سنّة المسلمين. ولمّا شرعت في الغُسل ومدّت يدها إلى جسد الراحلة، زلّت بها العبارة في لحظة غفلة عن جلال المقام، فهَمَسَت بكلمة سوءٍ طعنت بها في عِفّة الميتة ورمتها بما لا يليق. وما إن فرغت من قولها حتى حدث ما أذهل الحاضرات: علِقت يدها بجسد الميتة علوقًا محكمًا، كأن يدًا غيبيةً أمسكت بها وأوثقتها وثاقًا لا يُفكّ. حاولت انتزاعها عبثًا، فازداد التعلّق إحكامًا، فصاحت مستغيثة، فهرعت النساء من حولها حائراتٍ واجمات، لا يدرين بأي سبيل يُخلِّصنها من ذلك العَلَق العجيب.

انتشر الخبر في المدينة سريعًا، وجاء الناس ينظرون إلى هذا المشهد الذي لم يعهدوه من قبل. واحتار الفقهاء: أَيُقدَّم حق الحي فتُقطع قطعة من جسد الميتة لتُخلَّص يد المغسِّلة؟ أم يُقدَّم حق الميت فَتُقطع يد المرأة القاذفة؟ واشتدّ النقاش، وتباينت الآراء، وكلٌّ يخشى أن يقع في حكمٍ لا يُرضي الله.

ثم قال بعضهم: كيف نختلف وبيننا إمام دار الهجرة، مالك بن أنس؟ وكيف تُطلب الفتوى في المدينة ومالك حاضر فيها؟ فبعثوا إليه يسألونه، وجاء الجواب سريعًا حاسمًا.

سأل الإمام مالك: ماذا قالت هذه المرأة حين وضعت يدها على الميتة؟ فقيل له: إنها رمتها بالفاحشة وطعنت في عرضها. عندها أدرك الإمام بحكمته النافذة موضع الداء، وقال في هدوء العالم الواثق:

«هذا افتراء صريح، وحدُّ الرمي بالفاحشة ثمانون جلدة. اجلدوها حدّها تتخلّص يدها».

نُفِّذ الحكم، وجُلِدت المرأة حدَّ الرمي بالفاحشة، فما إن اكتمل العدد حتى انفكّت يدها، وانفصلت عن جسد الميتة، كأن القيود قد انحلَّت. عندها سكنت النفوس، وزال العجب، وعلم الناس أن الحكمة قد وُضعت في موضعها، وأن الفتوى إذا خرجت من معدنها الصحيح انكشف بها الإشكال وزال بها الحرج.

ومنذ ذلك اليوم جرت على ألسنة الناس عبارةٌ صارت مثلًا: «لا يُفتى ومالك في المدينة»، تعبيرًا عن أنه إذا حضر العالم الراسخ سقط الخلاف، واستغنى الناس عن الآراء المتفرقة، لأن العلم إذا استقر في صدرٍ بصيرٍ أضاء الطريق للناس أجمعين.

فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789

منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

  إقرأ أيضاً:

قصة للأطفال: عمران والنسور الجارحة

قصة للأطفال: أسيل وصديقها الدلفين

قصة للأطفال: الكتكوت يتعلم الصبر

قصة وحكمة: إمبراطور الصين يستعير صوت الماضي

قصة للأطفال: النخلة العجيبة

للمزيد            

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

قصص قصيرة معبرة 2

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية

إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن

استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات

أيضاً وأيضاً 

قصص وحكايات

الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور

شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها

تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات

كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها

مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

التوتر الرقمي: كيف تحيا بسلام نفسي في زمن الضجيج

استراتيجيات التدريس 

Fifty Love Stories 

Teaching Strategies


 

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

التوتر الرقمي: كيف تحيا بسلام نفسي في زمن الضجيج

استراتيجيات التدريس 

Fifty Love Stories 

Teaching Strategies






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق