الأحد، 21 يونيو، 2015

• النقطة الزرقاء الباهتة

إذا نظرت للأرض من نقطة بعيدة، فمن نقطةِ النظرِ البعيدةِ هذه، قد لا تبدو للأرض أيّةُ أهميةٍ خاصة، ولكن بالنسبةِ لنا، الأمرُ مختلف، أعد النظر لتلك النقطة:
إنها هنا!
إنها الوطن!
إنها نحن!

فعليها: كلُّ من تحب، كل من تعرف، كل شخصٍ سمعت عنه، كلُّ كائنٍ بشريٍ وُجد طوال التاريخ، عاش حياته هناك، مجموع كلِّ الأفراحِ والأحزانِ، ألوف الأديانِ والنظريات ومذاهبِ الحياةِ، كلُّ صيادٍ وقاتلٍ، كلُّ بطلٍ وجبان، كلُّ بانٍ وهادمٍ لحضارة، كلُّ ملكٍ وفلاّح، كلُّ عاشقيْن، كلُّ أمِّ وأبٍ، كل طفلٍ مفعم بالأمل، كل مخترعٍ ومكتشف، كلُّ معلم للأخلاق، كلُّ سياسيّ فاسد، كلُّ نجمٍ سينمائي، كلُّ قائدٍ عظيم، كلُّ متدينٍ ومذنبٍ في تاريخِ وجودِ كائننا البشريّ... كلُّهم عاشوا هناك، على ذرةٍ من غبار، عالقةٍ في شعاعٍ شمسي، الأرض ليست سوى بقعةٍ صغيرةٍ للغاية، في مسرحٍ كونيّ عظيم!.
تفكر لوهلةٍ في أنهارِ الدماءِ التي أراقها جنرالاتُ الحربِ وأباطرتَها، لينتصروا ويصبحوا أسيادًا مؤقتين، على جزءٍ صغير من نقطة، تفكر لوهلةٍ بالقسوة التي ملأتْ قلبَ شعبٍ عاش على إحدى زوايا هذه النقطة، ليغور ويتغلب على شعبٍ آخرَ، عاش على زاويةٍ أخرى منها، بالكاد نستطيع التمييز بينهما.
كم كان جهلُهُم، وسوءُ فهمهم للآخر!
كم كان توقهم، ليقتُل أحدُهم الآخر!
وكم هي وطيدة كراهيتهم!
إنَّ نظرتَنا لأنفسِنا، وتخيلَنا لوجودِ أهميةٍ لنا نحن البشر، إنَّ ذلك الوهم: بأن لنا مكانةَ خاصة، للاستحواذ على هذا الكون، كلُّ تلك الأوهامْ، تعترضُها بقوةٍ... نقطةُ الضوءِ الباهتِ تلك.
كوكبنا، هو ومضةٌ وحيدة، في فراغٍ كونيٍّ مظلم، خلال وجودنِا في هذا الظلام الهائل، لا نمتلك أيَّ دليلٍ بأن مساعدةً ستأتي يوماً من الخارج لإنقاذنا من أنفسنا، الأرض هو الكوكب الوحيد الذي يمكنه احتضان الحياة، ولا يوجد أيُّ مكانٍ –على الأقل خلال الفترة القريبة هذه- يمكننا الرحيل إليه، ربما يمكننا زيارة الخارج، أما البقاء خارجَ الأرض! فليس بممكنٍ بعد، سواءٌ أعجبتك الفكرة أم لا؛ هذا الكوكب: هو مصيرُنا.
يقالْ: إنَّ دراسةَ الفضاءِ تعلِّمُ التواضعَ، وتبني صورةً إنسانيةً في دارسِها، لا توجد لدينا أيّةُ طريقةٍ لإسقاطِ الصورةِ الوهميةِ المرتبطةِ بنا كبشر، أفضلُ من النظر إلى هذه الصورة البعيدة، لكوكبنا الأرض، أن نتعامل بشكلٍ أكثرَ مودةً واحتراماً لبعضِنا البعضْ، لهو مسألةٌ تتجاوز جميع المسؤوليات، وأن نحمي، ونحافظ على "النقطة الزرقاء الباهتة"، الوطن الوحيد،، الذي عرفناه...
كارل ساغان


 تابعونا على الفيس بوك
مواضيع تهم الطلاب والمربين والأهالي
قصص للأطفال وحكايات معبّرة

إقرأ أيضًا

للمزيد

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات


أيضًا وأيضًا

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها                                         




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق