الخميس، 5 فبراير 2026

قصة مثل: أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟

«أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟»

في ذروة الصراع على الخلافة الإسلامية، وبينما كانت دمشق عاصمة الأمويين تشتعل بالمكائد، قرّر الخليفة يزيد بن معاوية إنهاء تحدّي ابن الزبير في الحجاز. فأمر بأن يُقيَّد عبد الله بسلاسل من فضة تليق بمكانته، وأرسل جيشاً جراراً يقوده أخو عبد الله نفسه، عمر بن الزبير، في محاولة لاختبار الولاءات وتمزيق العائلة. لكنّ المفاجأة كانت قاسية: هُزم عمر وأُلقِي به في السجن، بينما بايع الناس عبد الله بن الزبير علناً، ليصبح سيد الحجاز بلا منازع.

لم يتحمل يزيد هذا التحدي، فجهّز جيشاً بلغ اثني عشر ألف مقاتل، وأغدق عليهم العطاء، مُصمّماً على سحق المعارضة في الحجاز دفعة واحدة. فكانت "وقعة الحرة" الدامية، حيث سُحِقَت المدينة المنورة، ثم تحرّك الجيش الضخم نحو مكة محاصراً إياها شهرين كاملين. وفي اللحظة الفاصلة، بينما كانت الحجارة تُلقى على الكعبة، جاء النبأ بوفاة يزيد بن معاوية، فانهارت الحملة فجأة. بل إن قائد الجيش نفسه بايع عبد الله بن الزبير خليفة، وطلب منه الذهاب إلى الشام ليقود الأمّة، لكن ابن الزبير آثر البقاء في الحجاز حارساً للحرم.

دخلت الدولة الأموية في حالة من التفكك والفوضى الشديدة، خاصة بعدما تنازل الخليفة معاوية الثاني عن الحكم وتوفي بعد فترة وجيزة. وفي خِضَمّ هذا الضعف والفراغ السياسي، استغل عبد الله بن الزبير الفرصة ليقوّي موقعه ويمدّ نفوذه. فأعلن نفسه الخليفة الثامن للمسلمين، وعين الولاة في المناطق التابعة له، حتى عين أخاه مصعب بن الزبير والياً على العراق. وبفضل تحركاته السياسية والعسكرية، انتشر تأثيره وأصبح صوته مسموعاً في أطراف الدولة الإسلامية.

 

لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. انتقلت السلطة في دمشق من آل أبي سفيان إلى آل مروان بن الحكم، وتولّى عبد الملك بن مروان العرش، عازماً على استعادة كل شبر خرج عن سيطرته. شنّ حرباً شعواء استعاد فيها مصر والعراق بعد معارك ضارية انتهت بمقتل مصعب بن الزبير. ثم حان وقت الحسم.

تفرّغ عبد الملك لخصمه الأخير في مكة، فأرسل جيشاً بقيادة رجله القاسي، الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي احتلّ المدينة وحاصر مكة. لم يتردد الحجاج في قذف الحرم بالمنجنيق، حتى تكسّرت جدران الكعبة تحت وابل الحجارة. استمر الحصار حتى انتشر الجوع والمرض، وبدأ الأنصار يفرّون واحداً تلو الآخر.

وفي لحظة يأس، وقف عبد الله ابن الثالثة والسبعين عاماً أمام أمه العجوز الكفيفة، يسألها: "أماه، لقد خذلني الناس، فماذا أعمل؟"
فأجابته بحكمة الأيام: "يا بني، هل قاتلت لغير الله؟"
قال: "كلا يا أماه."
فقالت: "إن كنت قاتلت لله، فلا تُسَلِّم نفسك."

فخرج الفارس العجوز ليواجه جيش الحجاج وحده. قاتل بسيفه حتى سقط شهيداً، ولم يعرفه أحد من الجنود حتى صاحت جاريته: "وا أسفاه على أمير المؤمنين!" عندها عرفوه، فقطعوا رأسه وطافوا به في الأمصار، وعلّقوا جسده على صليب داخل أروقة الكعبة نفسها، ليرهبوا الناس بمنظر الخليفة المصلوب.

بقي الجسد معلقاً خمسة عشر يوماً، حتى مرّت أمه الكفيفة ذات التسعين عاماً بجانبه، فرفعت صوتها إلى أحد الحراس قائلة: "أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟" فأنزلوه بأمر الحجاج ودفنوه.

هكذا انتهت خلافة دامت اثني عشر عاماً، لُفَّت بعدها صفحة عبد الله بن الزبير من كتب التاريخ الرسمي، وكأنه لم يكن إلا شبحاً تمرّغ في تراب النسيان. لكن قصته بقيت تتنفس بين السطور الخفية، شاهدة على زمنٍ كان الدم فيه طريقاً إلى السلطة، والإيمان سلاحاً في مواجهة الجبروت.

فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789

منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

  إقرأ أيضاً:

قصة للأطفال: عمران والنسور الجارحة

قصة للأطفال: أسيل وصديقها الدلفين

قصة للأطفال: الكتكوت يتعلم الصبر

قصة وحكمة: إمبراطور الصين يستعير صوت الماضي

قصة للأطفال: النخلة العجيبة

للمزيد            

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

قصص قصيرة معبرة 2

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية

إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن

استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات

أيضاً وأيضاً 

قصص وحكايات

الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور

شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها

تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات

كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها

مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان  

 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق