الاثنين، 24 أغسطس 2026

• قصة وحكمة: سايروس الأكبر... حين صنعَ النصرُ الهزيمةَ


 الثمن القاتل للغرور

قد يكون النصر أخطر من الهزيمة حين يزرع في صاحبه وهمًا بأنه لا يُقهر. فالقائد الذي لا يعرف متى يتوقف قد يحوّل أعظم انتصاراته إلى الطريق الذي يقوده إلى السقوط.

في عام 559  ق.ماستطاع شاب فارسي اسمه سايروس أن يجمع القبائل الفارسية المتناثرة، ويقودها ضد جده أستياجس، ملك ميدس. انتصر سايروس بسهولة، واستولى على العرش، ثم بدأ سلسلة مذهلة من الفتوحات. هزم كروسيوس، حاكم ليديا، واستولى على أيونيا وممالك أخرى، ثم دخل بابل فاتحًا، حتى أصبح اسمه يملأ العالم رهبةً، وصار يُعرف بـ سايروس الأكبر.

لكن كثرة الانتصارات غرست في نفسه ثقةً مفرطة. وبدل أن يكتفي بإمبراطوريته الواسعة ويعمل على تثبيت أركانها، اتجه شرقًا نحو بلاد الماساجيتاي، وهم قوم محاربون أشداء تحكمهم الملكة توميريس.

لم تكن أرضهم غنية مثل بابل، ولم يكونوا يشكلون خطرًا مباشرًا على فارس، لكن سايروس كان قد اعتاد التوسع حتى أصبح التوقف عنده أشبه بالهزيمة.

وفي عام 529  ق.م. بلغ بجيشه نهر أراكسس، على حدود مملكة الماساجيتاي. فأرسلت إليه توميريس تحذره قائلةً: ارجع إلى بلادك واحكم شعبك، ودعني أحكم شعبي في سلام، فأنت لا تعلم إن كان النصر سيظل حليفك.

لكن سايروس تجاهل تحذيرها وعبر النهر.

وقبل أن تبدأ المعركة الكبرى، لجأ إلى حيلة ماكرة. فقد علم أن الماساجيتاي لم يألفوا الترف والخمر، فأقام معسكرًا مليئًا باللحوم والأطعمة والخمور القوية، وترك فيه عددًا قليلًا من جنوده، ثم انسحب ببقية الجيش.

هاجم الماساجيتاي المعسكر وقتلوا الجنود الفرس، ثم أغرتهم الوليمة، فأكلوا وشربوا حتى فقد كثير منهم وعيه. وعند حلول الليل عاد الفرس، فقتلوا عددًا كبيرًا منهم وأسروا الباقين.

وكان بين الأسرى سبارجابيسيس، ابن الملكة توميريس.

حين علمت الملكة بما جرى، غضبت بشدة وأرسلت إلى سايروس تقول له: أعد إلي ابني واخرج من بلادي، وإلا أقسمت بالشمس أن أسقيك من الدم أكثر مما تشتهي.

كان يستطيع أن يتوقف هنا. لقد حقق انتصارًا، وأصبح أمامه مخرج آمن من حرب لم يكن محتاجًا إليها أصلًا.

لكنه سخر من تهديدها ورفض إطلاق ابنها.

أما سبارجابيسيس، فلم يحتمل ذل الأسر، فانتحر.

وحين بلغ خبر موته أمه، تحول حزنها إلى غضب عارم. حشدت كل قوات الماساجيتاي وانقضت على الجيش الفارسي في معركة شديدة العنف.

هذه المرة لم يواجه سايروس مجموعة وقعت في فخ، بل جيشًا كاملًا يقاتل على أرضه، تقوده ملكة ثكلى لا تريد إلا الانتقام.

اشتد القتال حتى تحولت أرض المعركة إلى مذبحة. تمزق الجيش الفارسي، وسقط الآلاف من جنوده، وفي النهاية قُتل سايروس نفسه.

بعد انتهاء القتال بحثت توميريس عن جثته بين القتلى، وحين وجدتها قطعت رأسه ووضعته في وعاء مليء بالدم، ثم قالت:

»لقد حطّمتَ قلبي وقتلت ابني بالخداع، وها أنا أوفي بوعدي وأسقيك من الدم ما يشبعك

هكذا انتهى الرجل الذي هزم الملوك وفتح أعظم المدن. لم يسقط لأن أعداءه كانوا أقوى منه منذ البداية، بل لأن انتصاراته أقنعته بأنه لا يمكن أن يُهزم. لقد عرف سايروس كيف ينتصر، لكنه لم يعرف متى يتوقف، فكانت معركته الأخيرة كافية لتضع حدًّا لمجد صنعه طوال سنوات.

المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN

فيسبوك: https://www.facebook.com/ali.ramadan.206789

منصة أكس: https://x.com/AliRamadan54

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

  إقرأ أيضاً:

قصة حرب: الحرب العالمية الثانية

قصة وحكمة: الثعلب والعنب

قصة وحكمة: اللؤلؤة

قصة تاريخية: نكبة البرامكة

قصة للأطفال: قمرك أو قمري!

للمزيد            

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

قصص قصيرة معبرة 2

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية

إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن

استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات

أيضاً وأيضاً 

قصص وحكايات

الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور

شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها

تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات

كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها

مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية

جديدنا كتاب:

 100 قصة حب من كل زمان ومكان

التوتر الرقمي: كيف تحيا بسلام نفسي في زمن الضجيج

استراتيجيات التدريس 

Fifty Love Stories 

Teaching Strategies

Calm in the Age of Screens







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق