الأحد، 24 مارس 2024

• قصة للأطفال: بيكاسو والفتاة ذات الضفيرة كذيل الحصان

إبداع

في بداية صيف عام 1954، حيث كان يقيم الفنان الشهير (بابلو بيكاسو) ويمتلك منزلا في قرية (فالوريس) جنوب فرنسا حيث الشمس والدفء وبحر المتوسط.

والقرية (فلوريس) مشهورة بمشاغل صنع أواني الفخار المُلَوّن المسمى بـ (السيراميك). وفي أحد النهارات المشرقة وحيث كانت مجموعة صبية وفتيات يستمتعون بعطلتهم الصيفية، ويمرحون على سطح منزل صديق لهم، أخبرهم أن الفنان (بيكاسو) ما هو إلا جار له، فما كان من الفتاة (سيلفيت) إلا وأحست ببعض الرهبة كونها قد سمعت كثيراً عن الفنان العالمي وكذلك لكونها تحب الرسم، فهي تحتفظ بحقيبة جلدية صغيرة تحت سريرها تخبئ فيها خربشات رسومها وبعض محاولاتها اللونية، ولا تخبر بهذا أحداً، لكونها فتاة خجول ولا تحب الإفصاح عن مكنونات نفسها، خاصة الحميمة.

وفيما جمع الصبية والفتيان يهرجون ويمرحون ويتسامرون بأحاديثهم فوجئوا برجل أصلع يطل عليهم من نافذة منزله القريبة من سطح منزل صديقهم ليريهم لوحة ملونة عليها صورة فتاة بضفيرة شعر تنسدل من مؤخرة رأسها كذيل الحصان، فانطلق الجميع بصوتهم الصارخ: إنها (سيلفيت) لقد عرفناها من ضفيرة شعرها، يا لها من لوحة جميلة وتشبهها تماماً.

ثم أتم بعضهم قوله: إنه (بيكاسو) إنه (بيكاسو) الفنان الكبير.

فما كان من (بيكاسو) إلا أن هدر بضحكته العريضة وقال للصغار: لقد كنت أراقبكم منذ الصباح، وسرني مرحكم الجميل، كما أن وجه زميلتكم وطريقة قص شعرها استرعيا نظري فكنت أسترق النظر إليها وأعود إلى لوحتي لأتممها، والآن أنا مسرور جداً لأنكم بعفويتكم عرفتم صاحبتها وعبرتم عن جمالها ببراءة وبلا تكلف وهذا ما يهمني كفنان.

لقد أحببت قصصكم ودردشاتكم وأنا أتابعكم منذ الصباح، لقد أعدتم إلي سني الانطلاق والعفوية، وأنا أدعوكم لزيارة مرسمي متى تشاءون.

فما كان من الجميع إلا أن صرخوا: نحب أن نزورك الآن.. نحب أن نزورك الآن، فلقد سمعنا الكثير عنك ويهمنا أن نكتشف عالمك العجيب والغريب كما تخبرنا عنه الصحف والمجلات.

فأرشدهم (بيكاسو) إلى مدخل المبنى فهرعوا إليه، فيما أخذت (سيلفيت) تحس بالرهبة أكثر كونها الوحيدة التي استرعت نظر الفنان، لكن اندفاع رفاقها جعلها تتبعهم ولو ببطء ووجل.

حين دخل الصبية والفتيات مرسم (بيكاسو) أحسوا وكأنهم يدخلون مغارة علي بابا فكان المرسم قائماً قاعداً ومليئاً بمختلف الأشياء والنماذج والمكونات:

أقنعة أفريقية، أقنعة مهرجين، أقفاص طيور، آلات موسيقية مبعثرة، كرسي هزاز كبير، عظام حيوانات، أوعية فخارية ملونة وغير ملونة وبعضها مهشم، صحون مرسوم عليها نباتات استوائية وبيضاء ملونة.

لقد استرعاهم عالم (بيكاسو) المثير فيما كان هو بقامته القصيرة يلبس قميصاً مقلماً بالأزرق والأبيض كأحد البحارة، ويضع بنطالاً قصيراً كالذي يلبسونه الذين يقضون عطلهم في المنتجعات الصيفية، وينتعل صندالاً من الجلد.

شعر (بيكاسو) بخجل وإحراج (سيلفيت) فاقترب منها ليقول: لا تخافي فإن ابني (بول) أكبر منك الآن وهو بعمر أبيك، وأنا يمكن أن تعتبريني جدك، فأنا في الثالثة والسبعين من عمري.

فتعجب الجميع لعمر (بيكاسو) كون همته توحي بالنشاط وكأنه في مقتبل العمر، لذلك تابع (بيكاسو) وقد لاحظ استغرابهم ليخبرهم بأن الفنان الأصيل هو الذي يبقى طفلاً طوال عمره، لأن الفنان عليه أن يحتفظ بالصدق والبراءة وحب الحياة وهذه كلها صفات لا يتحلى بها إلا الصغار أمثالكم.

فهلل الجميع وسُرَوا لحديثه، فيما أجلس (بيكاسو) (سيلفيت) على الكرسي الهزاز ووضع عليها معطفه، لأنه شعر بأنها ترتجف خجلاً، وأخذ يرسمها من جديد على اللوحة بالألوان الزيتية، وما هي إلا ساعتين حتى كانت سيلفيت لوحة كاملة بتوقيع (بيكاسو)، فهالها المنظر وأحست كم هي كانت محظوظة، كما سُرَّ كل الموجودين لاسيما وهم يراقبون (بيكاسو) منهمكا بنشاطه وحركاته الحيوية.

كانت (سيلفيت) لا تمكث بعيداً عن منزل زميلها جار الفنان (بيكاسو) لذلك ظلت طوال العطلة الصيفية تتردد مع زملائها وزميلاتها على مرسم (بيكاسو) ببراءتهم المحببة، وكان (بيكاسو) يعاملهم بكل طيبة وحب وإخلاص، كما إنه في إحدى المرات أخذت (سيلفيت) رسومها لتريها للفنان المهم، فنظر إلى الرسومات بشغف واهتمام، وأخبرها أن تكون شجاعة أكثر وأن تداوم على الرسم وإن أَحَبَّتْ عليها أن تدرس مادة الرسم في معاهد باريس حين تعود في الشتاء إلى منزلها هناك.

في الصيف كله كان بيكاسو مداوماً على عمله كأنه في سباق مع الزمن، وكانت اللوحات تتراكم في مرسمه كما إنه عمل الكثير من أواني الفخار الجميلة بإيحاءات من شكل طائر البوم الذي كان (بيكاسو) يراه طائراً جميلاً.

لاحظت (سيلفيت) أن (بيكاسو) يجمع الأدوات والأشياء القديمة حتى المهملة منها ليصنع منها أشكالا فنية طريفة، فلقد استعمل مقود ومقعد الدراجة ليجعل منهما رأس ثور إسباني جميل، كما استعمل نموذجا لسيارة صغيرة الحجم وطلاه باللون البني الغامق ورسم على زجاجه الأمامي عينين كبيرتين ليحصل على رأس قرد.

ثم إن (بيكاسو) لم يكتف برسم واحد لوجه (سيلفيت) بل كان يستغل زياراتها ليجلسها على الكرسي الهزاز ويصوغ من ملامحها تطويرات متقدمة لتقاطيع وجهها حتى إنه في إحدى المرات رسمها بأسلوب الفن التكعيبي، مما جعل (سيلفيت) تنبهر له مع أنها لم تحبه، ففسر لها (بيكاسو) أنه على الفنان أن يطور أسلوبه ولا يكتفي بنقل الواقع كما تفعل آلة التصوير الجامدة، فالفنان هو إنسان له أحاسيس مختلفة ويمكنه أن يصيغ رسم الأشياء من خلال ما يحب وما يكتنفه من عواطف وحالات متغيرة.

حين انتهاء الصيفية كان (بيكاسو) قد حصل من إيحاء وجه (سيلفيت) على مجموعة كبيرة من اللوحات قدرها بعضهم بالأربعين عملاً، مكنته من إقامة معرض خاص بهذه اللوحات حين انتقل في الشتاء إلى باريس.

كما أنه في وقت لاحق طلبت منه حكومتا هولندا وأمريكا عمل منحوتتين لتوضعا في أماكن عامة فصاغهما (بيكاسو) من وحي وجه (سيلفيت).

(سيلفيت) سمعت نصيحة (بيكاسو) وتعلمت الفن واحترفته وأصبحت فنانة كبيرة تعيش الآن في بريطانيا تحت اسم (ليديا كوربيت) وقد روت هذه القصة لأحد الكتاب البريطانيين وأنا أنقلها لكم الآن بكل حقيقتها.

في فترة إقامة المعرض الخاص في باريس أهدى (بيكاسو) واحدة من اللوحات إلى (سيلفيت) بعد أن وقعها، فباعتها لتشتري بثمنها شقة جميلة في باريس وليبقى معها بعض المال مَكَّنَها من متابعة دراستها الفنية.

كما أن شكل الضفيرة كذيل الحصان أصبح (صَرْعَةً) باريسية في العام 1954 درجت على تقليده فتيات فرنسا الصغيرات.

من هو بيكاسو؟

ولد (بيكاسو) في بلدة (مالقا) في إسبانيا عام 1881 لأب يعلم الرسم في المعاهد.

بدأ في الثانية عشرة من عمره يرسم لوحات زيتية مثيرة للإعجاب.

غادر في العشرين من عمره إلى باريس وأخذ يراودها ذهاباً وإياباً حتى استقرَّ فيها بشكل نهائي.. وذلك حباً للشهرة وللالتقاء بالفنانين العالميين والكتاب المشهورين.

هاجم الجنرال فرانكو حاكم إسبانيا وذلك لديكتاتوريته وأصدر بياناً عنيفاً ضده تحت عنوان (حلم فرانكو الكاذب).

رسم لوحته (الغارنيكا) في 28 نيسان 1937 تخليدا لضحايا هذه البلدة الإسبانية التي تحمل الاسم نفسه بعد أن قصفها الفاشيون بالقنابل.

أنجز (بيكاسو) ما يقارب الثلاثين ألف عمل فني ما بين رسم ونحت وطبع وسيراميك.

كان ثورياً وطليعياً في أساليبه الفنية متميزاً ومغايراً.

مات وهو في الثانية والتسعين من عمره في عام 1973.. وظل يعمل حتى آخر أيام حياته لأنه كان يؤمن بأن العمل هو نوع من (العلاج) للاستمرار في الحياة.

نبيل أبو حمد


إقرأ أيضاً:

قصة للأطفال: سارة تعرف البحر

قصة مَثَل: صَدَقَ من سمّاك غادر

قصة للأطفال: سِرّ الدُّمى الثلاث

قصة حرب: الشقيقان على شفير الهاوية

قصة للأطفال: الوفاء من وفاء

للمزيد             

حدوثة قبل النوم قصص للأطفال

كيف تذاكر وتنجح وتتفوق

قصص قصيرة معبرة

قصص قصيرة معبرة 2

معالجة المشكلات السلوكية عند الأطفال والطلاب

قصص قصيرة مؤثرة

الإدارة الصفية: 7 مقالات في الإدارة الصفية

إختر مهنتك: تعرف على المهنة التي تناسبك من بين جميع المهن

استراتيجيات التدريس دليل المعلم للتعلم النشط

مراهقون: مشاكل المراهقين وأساليب التعامل معهم

تربية الأبناء والطلاب

مواضيع حول التنمية البشرية وتطوير الذات

أيضاً وأيضاً

قصص وحكايات

الغزل: أبحاث ومقالات عن شعر الغزل العذري والإباحي في كل العصور

شعراء: نبذة عن حياة شعراء عرب في كل العصور

الطاقة: مقالات وأبحاث عن الطاقة بكل أنواعها

تلوث ونفايات: مقالات وأبحاث حول تلوث البيئة والنفايات

كوارث طبيعية: مقالات وأبحاث عن الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها

مسلسلات: نقد وتحليل مسلسلات عربية وتركية

المصدر: 1





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق